أرض الصومال وتمزيق الأصل

أرض الصومال وتمزيق الأصل

أرض الصومال وتمزيق الأصل

 لبنان اليوم -

أرض الصومال وتمزيق الأصل

بقلم: جبريل العبيدي

بعد أكثر من ثلاثة عقود على انفصال المنطقة الأفريقية عن الصومال، أصبحت إسرائيل الدولة الأولى التي تعترف بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي في الصومال، بعد أن أصبح القرن الأفريقي في سلّم الأولويات الإسرائيلية، من خلال تعزيز الحضور البحري والاستخباراتي في محيط البحر الأحمر، الأمر الذي يعدّ استراتيجية بحرية أعلنها معهد الأمن القومي الإسرائيلي على لسان مدير شعبة الاستخبارات العسكرية السابق تامير هايمان، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

فإقليم «أرض الصومال» يتمتع بموقع جغرافي يمتد إلى سواحل عدن، ويطل على مضيق باب المندب، أحد أهم منافذ التجارة العالمية، ولهذا يعدّ مطمعاً إسرائيلياً استراتيجياً حتى وإن تغلف بثوب آخر، فـ«أرض الصومال» (صومالي لاند) هي منطقة أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، لكنها لم تحظَ باعتراف دولي رسمي حتى جاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتوظيف السياسي ودق إسفين في خاصرة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الخطوة الإسرائيلية تعدّ توظيفاً سياسياً واقتصادياً وحتى استراتيجياً لتل أبيب رغم أنها مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي ينص على (احترام سلامة الأراضي والاستقلال السياسي للدول) وأن الأولوية لسيادة الدول ووحدة أراضيها، وتعدّ هذه الخطوة الإسرائيلية تدخلاً سافراً في سيادة واستقرار منطقة مهمة في القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر وتهدد السلم في المنطقة وتجعلها في حالة من التوتر وعدم الاستقرار.

في حين كشفت «القناة 14» الإسرائيلية عن سبب اعتراف إسرائيل الرسمي بجمهورية «أرض الصومال»، وأنه يأتي في مقابل موافقة «أرض الصومال» على استقبال سكان من قطاع غزة، ولكن الحقيقة تتجاوز هذا المشروع، فالبحر الأحمر كان دائماً موجوداً في الحسابات الإسرائيلية، التي قد تتعارض شكلاً مع الحسابات الأميركية، خصوصاً بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رفضه الاعتراف بـ«أرض الصومال»، إذ أجاب ترمب بـ«لا» عندما سئل في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست»، إن كان سيحذو حذو إسرائيل ويعترف بها، فأجاب متسائلاً: «هل يعرف أحد ما هي أرض الصومال، حقاً؟». ولكنه أضاف أن «كل شيء قيد الدراسة»، ما جعل الباب موارباً نحو أي تغير في الموقف الأميركي لحساب إسرائيل طبعاً، لأنه فعلاً لا أحد يعرف ما هي «أرض الصومال» بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة، وما جغرافية ومساحة أرضها؟

وبعيداً عن موقف ترمب الموارب والقابل للتغير وفق قوله: «كل شيء قيد الدراسة»، أكد الاتحاد الأوروبي في المقابل احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، كما أعلنت المملكة العربية السعودية موقفاً واضحاً برفض الاعتراف بإقليم «أرض الصومال»، مؤكدة دعمها الكامل لسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه، وكذلك كان موقف الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي.

«أرض الصومال» في حقيقتها هي دولةٌ مُجتزأة من جسد دولة ذات سيادة معترف بها دولياً وهي الصومال، وقد تم تبرير الاجتزاء والانفصال بأنهما وسيلة استرداد للحقوق ورفع المظالم، لكن هناك أمثلة كثيرة لدول انقسمت عن أصلها ولم تسترد حقوقها ولا رفعت المظالم ولا نجحت في التنمية، ولعل انفصال جنوب السودان مثَلٌ قريب، فالفرق شاسع بين المطالبة بالحق، وتمزيق الوطن، فلا يقوم استرداد الحقوق على انقسام وتفكيك وتفتيت الأوطان، فكثير من الصوماليين يعدّون الانفصال «خيانة للوحدة الوطنية»، بينما يرى آخرون أن الاستقلال هو «حق تقرير المصير» بعد عقود من الصراع.

رغم توحّد الشمال والجنوب عام 1960 في جمهورية الصومال، فإن وجود هويتين سياسيتين متباينتين منذ أواخر القرن التاسع عشر - شمال تحت الإدارة البريطانية (الصومال البريطاني)، وجنوب تحت الإدارة الإيطالية (الصومال الإيطالي) - كان عائقاً أمام الوحدة الشاملة التي كان من الممكن معالجتها بالنظام الفيدرالي، وليس هناك مبرر للانفصال، فالكثير من الدول خضعت لنظامين سياسيين لسنوات ولكنها عادت للوحدة، والمثال الأبرز هو ألمانيا التي قسمت قسراً بعد هزيمة هتلر إلى غربية وشرقية، ورأسمالية واشتراكية، وقسمت عاصمتها بجدار برلين لسنوات طوال، ولكنها عادت لتتوحد بعزيمة أهلها، وغيرها الكثير من الدول المتماسكة بقوميات بل وبلغات مختلفة مثل سويسرا، ولهذا لا يعدّ وجود هويتين سياسيتين لشعب واحد مبرراً للانقسام والتشظي، والجري خلف الوهم، لدرجة الخيانة للوطن.

بينما هناك من يرى كلمة «خيانة الأصل الصومالي»، وجهة نظر سياسية حادة ومتطرفة، وهناك من يرى أن الانفصال حل ولا يضر بالوحدة القومية، وهؤلاء القلة أما إذا كنت من زاوية الهوية أو التاريخ، والتعمق في جذور الخلاف بين مقديشو وهرجيسا، فيختلف الأمر، فالقضية من هذا المنظور ليست مجرد «خيانة» أو «وفاء»، بل صراع بين الوحدة القومية وحق تقرير المصير.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أرض الصومال وتمزيق الأصل أرض الصومال وتمزيق الأصل



GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

إلى أي مدى سينجح مجلس السلام في صناعة بديل؟

GMT 06:13 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حرب المخدرات والجرائم البشعة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
 لبنان اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 07:33 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

فتح معبر رفح رسمياً مطلع الأسبوع المقبل
 لبنان اليوم - فتح معبر رفح رسمياً مطلع الأسبوع المقبل

GMT 17:22 2021 الجمعة ,23 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 21:23 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

العناية بالبشرة على الطريقة الكورية

GMT 05:55 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هزة أرضية قوية تضرب وهران الجزائرية

GMT 20:22 2022 الأحد ,20 شباط / فبراير

نوال الزغبي تشوق الجمهور لأغنيتها الجديدة

GMT 12:03 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

تعرف على تقنية "BMW" الجديدة لمالكي هواتف "آيفون"

GMT 20:49 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

التكنولوجيا تحدّد أهداف برادا في حملة ربيع وصيف 2021

GMT 09:28 2024 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

الحوت والحمل والأسد من الأبراج الأكثر سعادة

GMT 22:55 2018 الثلاثاء ,03 تموز / يوليو

كيف تعالج مشكلة قضم الأظافر عند الأطفال؟

GMT 04:51 2020 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

"قلعة الجاهلي" رحلة شيقة في تاريخ الإمارات الأصيل

GMT 11:10 2020 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

ليلى علوي بإطلالة صيفية في أحدث جلسة تصوير
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon