الرؤية لا السلاح شرق أوسط بلا ميليشيات

الرؤية لا السلاح: شرق أوسط بلا ميليشيات

الرؤية لا السلاح: شرق أوسط بلا ميليشيات

 لبنان اليوم -

الرؤية لا السلاح شرق أوسط بلا ميليشيات

بقلم : يوسف الديني

في قلب عاصفة الأزمات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، من غزة إلى سوريا ولبنان، تعود أزمة ميليشيا الحوثي بوصفها تجليّاً صارخاً لظاهرة متكررة في تاريخ الجماعات من دون الدولة، من الميليشيات والتنظيمات المسلحة ونظائرها، إلى التقاط الأنفاس لا من أجل التهدئة بل كمرحلة لإعادة البناء في ذهنية الميليشيات. وبينما تبدو غزة غارقة في مآسي الحرب، وسوريا تواجه تحولات مصيرية في طريق بناء الدولة، ولبنان يكابد تحديات سياسية واقتصادية برسم إعادة ترسيخ السيادة، يحاول الحوثيون التحرك في فضاء مغاير؛ متلبّسين بشكلانية الدولة في محاولة للتعافي والتجدد في ظل تقارير متعددة رصدتها مراكز الأبحاث حول إعادة طهران لتقوية أذرعها في ظل ارتباك المقاربات الدولية لملفات المنطقة.

الهجمات الأخيرة في البحر الأحمر، لا سيما تلك التي استهدفت سفينتين تجاريتين هذا الشهر، تعيد التذكير بأن الميليشيا لم تختر الهدوء بوصفه خياراً استراتيجياً، بل بوصفه مرحلة للتطوير والتمويه والاستعداد لموجة جديدة من التصعيد الممنهج. فخلف واجهة «الهدنة» مع الولايات المتحدة، كانت أعين الحوثيين ترصد السفن، وتُعدّ سيناريوهات هجومية متكاملة تستغل انشغال العالم بصراعات أخرى. لقد دمجت الجماعة بين الصواريخ الموجَّهة، والزوارق الانتحارية، والأسلحة الصغيرة في نمط عمليات مركَّب يدل على تحول في بنيتها العملياتية؛ فلم تعد مجرد ميليشيا هجينة بل تحاول لعب دور أكبر من ذلك بتشتيت الضغط على جهة معيَّنة، واستغلال حالة الفشل في كبح عنجهية وصلف إسرائيل، وتفاصيل الهجوم الذي استهدف سفينة «Eternity C»، باستخدام ثمانية زوارق مسيَّرة ومأهولة، وصواريخ متعددة، يقودنا إلى تحول في مستوى المواجهة.

واللافت أنَّ هذه العمليات لم تكن عشوائية، بل جاءت متزامنة مع لحظات مفصلية في ملفات إقليمية أخرى. وكما تُظهر البيانات، فإن الانخفاض الحاد في حركة السفن في مضيق باب المندب منذ 2023 لا يعود فقط إلى الخوف من الهجمات، بل إلى فقدان الثقة بأن المجتمع الدولي يمتلك الإرادة السياسية لتأمين هذا الممر الحيوي، رغم أنه شريان اقتصادي وأمني عابر للقارات. والمفارقة التي تبدو كاشفة في قراءة هذه التحولات، إن إهمال المجتمع الدولي إيجاد تفاهمات موحدة لتأمين الممرات الدولية يأتي في ظل رغبة أميركية في الانسحاب، وهو الأمر الذي تحاول إيران، عبر ذراعها، الاستثمار فيه من خلال ربط ذلك بنصرة «أهل غزة». وبالطبع، فإن التصدي لعودة هجمات الميليشيات سيعني ضرورة التصدي لاستمرار إسرائيل في استهداف الأبرياء في غزة.

والحال أن الاستراتيجية غير المستقرة من القوى الدولية تشجع الحوثيين على التمادي، وتجعل من البحر الأحمر مختبراً مفتوحاً لتجريب القدرات الجديدة، وتحقيق أوهام نصر مبنيَّة على الشعارات والدعاية الكاذبة، ويزداد الأمر تعقيداً مع حرص بعض السفن التجارية، رغم تحذيرات المجتمع الدولي، على تعطيل نظام التعرف الأوتوماتيكي والعبور من دون حماية بسبب التكاليف مما يخلق بيئة مثالية للكمائن والهجمات الاستعراضية.

ما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد في الممرات البحرية، بل اختبار لمعادلة إقليمية جديدة يعاد فيها تعريف النفوذ والسيادة من خلال الماء لا اليابسة فقط. فالميليشيا التي تمردت داخل اليمن باتت تفرض إيقاعاً على خطوط الملاحة الدولية، وتستخدم البحر بوصفه سلاحاً استراتيجياً لا وسيلة تهريب. وإذا لم يُقابل ذلك برؤية واضحة تستند إلى دول المنطقة، فإننا إزاء مرحلة سيتضرر منها اقتصاد العالم؛ تتمثل في تراجع الثقة في المسار الملاحي عبر البحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى تغييرات عميقة في خطوط التجارة العالمية.

التوترات المتزايدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، توفّر خلفية مناسبة لاستمرار الحوثيين في هذا النهج، بل ربما التوسع فيه إلى مناطق أبعد. إن ما يجري اليوم في البحر الأحمر، في ظل غياب الردع الفاعل وغير المنفرد، لا يُهدد السفن فحسب بل يعبِّر عن موجة إرهاب بحري من ميليشيا تستثمر في أمن الممرات سبباً للبقاء.

الأكيد أن هذه التحديات في المنطقة في ظل المقاربات الأميركية المرتبكة والمنحازة حتى الآن للفوضى الإسرائيلية تعيد الاعتبار إلى أهمية الرياض ومعها دول الاعتدال في حماية استقرار المنطقة وتثبيت التوازنات الحقيقية، بعيداً عن منطق الميليشيات والردود الانفعالية أو التحيّز للصلف الإسرائيلي؛ فالمنطقة لا يمكن أن تكون رهينة لتوازنات براغماتية مؤقتة أو تسويات جزئية ترقيعية. بل تحتاج إلى رؤية شاملة، تتجاوز أعراض الأزمة إلى جذورها، وتقطع الطريق على خطابات التصعيد والتخويف، والأهم: تُعرّي وهم «شرق أوسط جديد» يُسوَّق له من خارج المنطقة بأوهام تتجاهل شعوبها، وتُقصي دولها وسيادتها، وتتعامى عن موازين القوة، والأهم فضيلة الاستقرار.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الرؤية لا السلاح شرق أوسط بلا ميليشيات الرؤية لا السلاح شرق أوسط بلا ميليشيات



GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

إلى أي مدى سينجح مجلس السلام في صناعة بديل؟

GMT 06:13 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حرب المخدرات والجرائم البشعة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
 لبنان اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 لبنان اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 09:00 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75
 لبنان اليوم - نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75

GMT 17:22 2021 الجمعة ,23 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 21:23 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

العناية بالبشرة على الطريقة الكورية

GMT 05:55 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هزة أرضية قوية تضرب وهران الجزائرية

GMT 20:22 2022 الأحد ,20 شباط / فبراير

نوال الزغبي تشوق الجمهور لأغنيتها الجديدة

GMT 12:03 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

تعرف على تقنية "BMW" الجديدة لمالكي هواتف "آيفون"

GMT 20:49 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

التكنولوجيا تحدّد أهداف برادا في حملة ربيع وصيف 2021

GMT 09:28 2024 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

الحوت والحمل والأسد من الأبراج الأكثر سعادة

GMT 22:55 2018 الثلاثاء ,03 تموز / يوليو

كيف تعالج مشكلة قضم الأظافر عند الأطفال؟

GMT 04:51 2020 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

"قلعة الجاهلي" رحلة شيقة في تاريخ الإمارات الأصيل

GMT 11:10 2020 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

ليلى علوي بإطلالة صيفية في أحدث جلسة تصوير
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon