الأزمة السورية وبناء شخصية وطنية

الأزمة السورية وبناء شخصية وطنية

الأزمة السورية وبناء شخصية وطنية

 لبنان اليوم -

الأزمة السورية وبناء شخصية وطنية

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

شهدت سوريا خلال الأيام الفائتة واحدة من أعنف الأزمات السياسية منذ سقوط نظام الأسد الوحشي الذي لا يمكن أن تكون المقارنة معه ذريعة لتبرير ما حدث.

العنف الذي جرى والبيئة التي أخرجت الفلول لكي تحرّك الأحداث، وفق ترقب لمشاريع تقويضية منذ اللحظة الأولى للدولة السورية الجديدة؛ هو نتيجة وليس سبباً، حيث تحوّلت الاحتجاجات الشعبية إلى صراع مسلح أدى إلى تدخلات إقليمية ودولية، وزيادة حدة الاستقطاب الطائفي والاجتماعي. ومن بين أبرز المشاهد المأساوية التي شهدتها البلاد، أحداث العنف في الساحل السوري، التي طرحت تحديات كبيرة أمام السلطة الجديدة في دمشق، حول كيفية التعامل مع الماضي، وإعادة بناء الدولة على أسس وطنية جامعة.

لقد أثبتت التجربة التاريخية لأكثر من أربعين حرباً أهلية في العالم أنه لا يمكن تحقيق سلم أهلي حقيقي من دون إشراك جميع المكونات في مشروع الدولة. وقد أشار الفيلسوف السياسي الأميركي المولود في بروسيا، فرنسيس ليبر، إلى أن «غياب الشخصية الوطنية الجامعة يؤدي إلى ضعف استمرارية المجتمع السياسي؛ مما يهدّد مستقبل الدول». هذا الدرس ينطبق تماماً على الحالة السورية، حيث إن استمرار وجود مكونات مسلحة خارج إطار الدولة، سواء من المقاتلين الأجانب أو التنظيمات المتطرفة، يعرقل أي إمكانية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية.

إن ما جرى في الساحل السوري لا يمكن اختزاله في كونه مجرد «مؤامرة خارجية»، رغم أن هناك أطرافاً دولية استثمرت في الصراع وأسهمت في تأجيجه. ومع ذلك، فإن الخطأ الأكبر كان داخلياً، حيث فشلت القوى الجديدة في التعامل مع المجتمع السوري بمنطق الدولة، وبدلاً من ذلك، تصرفت بعض الفصائل المسلحة وفق عقلية الحرب والثأر؛ مما أدى إلى وقوع مجازر بحق المدنيين، ووضع الطائفة العلوية في موقف الدفاع عن «وجودها»؛ وهو ما يغذّي سيناريو الحرب الأهلية.

إن مهمة السلطة الجديدة لا تقتصر على فرض سيطرتها العسكرية، بل يجب أن تتجه نحو بناء دولة قائمة على العدالة والمواطنة، وليس على منطق الانتقام. وإذا كان النظام السابق قد ارتكب جرائم بحق الشعب السوري، فإن الرد لا يكون بتكرار الممارسات ذاتها، بل بمحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية.

في هذا السياق، يجب أن تلتزم السلطة الجديدة إجراءات عملانية عدة لإعادة بناء الدولة وضمان استقرارها، ومن أولويات ذلك: حلّ التنظيمات المتطرفة التي أسهمت في تأجيج الصراع، وضمان عدم تحولها إلى ميليشيات خارجة عن القانون، والتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب وخطابهم الذي يتم تداوله اليوم أكثر حتى من الصور الوحشية للضحايا في ظل حالة فزع تنتشر بشكل كبير في الفضاء التداولي العالمي المهتم بالملف السوري حتى بين الذين يريدون منح سوريا فرصة للبحث عن «استقرار» والتغاضي عن أخطاء البدايات.

كما يجب توحيد جميع القوى العسكرية تحت جيش وطني موحّد يخضع لضوابط قانونية وتدريبات سياسية وحقوقية، بالإضافة إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم بحق المدنيين بالجدية ذاتها التي تتم فيها ملاحقة فلول النظام السابق.

والأهم، ضرورة التفكير باستراتيجية صلبة وقوية لإصلاح العلاقة مع أهل الساحل السوري والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالسكان، عبر تحقيق العدالة السريعة وضمان الأمن والاستقرار، بما في ذلك الانفتاح على جميع القوى السياسية والاجتماعية، والعمل على عقد مؤتمر وطني شامل وحقيقي غير شكلاني لرسم ملامح مستقبل سوريا.

يجب أن تدرك السلطة الجديدة أن إعادة بناء سوريا تتطلّب قرارات جريئة ومسؤولة، وأن أي محاولة لإقصاء طرف معين سيؤدي إلى تكرار السيناريوهات الكارثية التي شهدتها دول أخرى مثل العراق وليبيا ولبنان خلال الحرب الأهلية. لذا، فإن الأولوية يجب أن تكون لترسيخ مفاهيم الدولة المدنية، ومنع تكرار الفظائع التي جرت في الساحل أو أي منطقة أخرى، فالمطلوب هو بناء الثقة ليس لطمأنة أهل الساحل، بل لاستقطاب بقية المناطق التي ما زالت تشكّك وتقلق حول الانضمام إلى الجسد الوطني وهم لم يروا «الشخصية الوطنية» الجامعة.

هناك مسافة لا تخطؤها العين بين تصريحات القيادة الجريئة والمطمئنة للمحاسبة، والخطاب المضمر والمعلن للكتلة الوازنة من المقاتلين، وهي معادلة صعبة، لكن الرصيد الهائل من دعم دول الاعتدال، وفي مقدمتها السعودية، للحيلولة دون انزلاق سوريا إلى مربع الحرب الأهلية وتفكك الدولة وتقسيمها -لا سمح الله- وقدرة هذه الدول على إقناع الدول الغربية التي عادت إلى المربع الأول في مخاوفها ضمانة إذا ما اتّخذت الخطوات الجادة.

الأكيد أن سوريا اليوم أمام مفترق طرق ومنعطف تاريخي، فإما أن تسلك طريق المصالحة وإعادة البناء، وإما أن تنزلق نحو دوامة حرب أهلية لا نهاية لها. والمطلوب الآن هو إرادة سياسية قوية، وقرارات تضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أخرى، حتى تتمكّن البلاد من تجاوز جراح الماضي، والانطلاق نحو مستقبل أكثر استقراراً وعدالة... على سوريا ببساطة ألا تدع الخارج يفاوض عنها ويبني شخصيتها لأنها فشلت في رسم تلك اللوحة المرصعة بالتنوع والثراء.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأزمة السورية وبناء شخصية وطنية الأزمة السورية وبناء شخصية وطنية



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 15:40 2021 الجمعة ,10 كانون الأول / ديسمبر

أسلوب الكلام الراقي حسب قواعد الإتيكيت

GMT 01:07 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

السيد يكشف أنّ العلاج بجزيئات الذهب يقضي على السرطان

GMT 01:56 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

وفاة الفنان المصري هادي الجيار بعد صراع مع كورونا

GMT 09:33 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

نصائح مُهمّة لتنظيم أفراح صيف 2019

GMT 10:58 2022 السبت ,19 آذار/ مارس

واشنطن ومطرقة روسيا وسندان الصين

GMT 17:47 2025 الإثنين ,20 تشرين الأول / أكتوبر

زيلينسكي يطالب بتجميد الحرب قبل محادثات السلام

GMT 08:10 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

فيتامينات ومعادن أساسية ضرورية لشيخوخة أفضل صحياً

GMT 19:23 2024 السبت ,27 إبريل / نيسان

أكذوبة النموذج الإسرائيلي!

GMT 17:55 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

احدث موديلات فساتين زفاف لعام 2021 للعروس الممتلئة

GMT 04:22 2018 الأربعاء ,22 آب / أغسطس

العيب فى بعضنا وليس فى الإسلام!
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon