عزلة إسرائيل واستثمار ما تبقى من ضمير العالم

عزلة إسرائيل... واستثمار ما تبقى من ضمير العالم

عزلة إسرائيل... واستثمار ما تبقى من ضمير العالم

 لبنان اليوم -

عزلة إسرائيل واستثمار ما تبقى من ضمير العالم

بقلم : يوسف الديني

تتبدّى عزلة إسرائيل الدولية اليوم بوصفها أحد أبرز التحولات في النظام العالمي المعاصر، ليس فقط لكونها تعبّر عن انكشاف دبلوماسي نادر لدولة لطالما تمتَّعت بدعم غير مشروط من قوى غربية كبرى؛ بل لأنها تذكّر المجتمع الدولي، في لحظة حرجة من الفوضى والصراعات، بضرورة التمسك بمفهوم الدولة والمنظمات الدولية حتى لو كانت في أسوأ حالاتها. ففي أسبوع واحد، توالت الضربات السياسية على الدبلوماسية الإسرائيلية: إدانة صريحة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب للضربة العسكرية التي استهدفت قادة «حماس» في الدوحة، ثم بيان بالإجماع في مجلس الأمن يدين العملية ويدعم قطر، وأخيراً التصويت الساحق في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح مبادرة فرنسية - سعودية لإقامة دولة فلسطينية، حيث أيَّدها 142 بلداً من أصل 164. هذه المؤشرات مجتمعة تعكس مشهداً غير مسبوق من العزلة، يكشف عن أنه حتى حلفاء الأمس بدأوا يعيدون حساباتهم، وأن إسرائيل فقدت غطاءها الدبلوماسي التقليدي.

ورغم أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تحمل صفة ملزمة، فإن قيمتها الرمزية والسياسية تتجاوز مضمونها المباشر، إذ تشكّل مرآة لموازين القوى وتوجهات الرأي العام الدولي. فحين تتقلص حالات الامتناع عن التصويت، وتحولت دول أوروبية وغربية وازنة من موقع «الدعم السلبي» إلى موقع الرفض الصريح، فهذا يعني أن شرعية إسرائيل السياسية والأخلاقية تآكلت وفي طريقها لمرحلة ما بعد العزلة. وهو تحول يعيد إلى الأذهان لحظة عزلة نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا في الثمانينات، حين مهّد الضغط الدولي لانهيار منظومة سياسية بدت عصية على التغيير.

وسط هذا السياق، برزت السعودية لاعباً مهماً وصوتاً عقلانياً واستراتيجياً يحاول إعادة القضية الفلسطينية من محور الشعارات والمزايدات إلى محور الدولة والتسوية. فالرياض، بخطابها المتوازن وواقعيتها السياسية، استطاعت أن تقود مع فرنسا مبادرة «إعلان نيويورك»، ليس بوصفها مجرد ورقة جديدة على طاولة الأمم المتحدة؛ بل بوصفها إشارة إلى أن العالم، رغم انقساماته، ما زال قادراً على التوافق حول مبدأ حل الدولتين. ومن خلال موقعها الجيوسياسي وقدرتها على الجمع بين الشرعية والتأثير الإسلامي العربي والقدرة على مخاطبة القوى الكبرى بلغة الدبلوماسية ومنطق مصالح، استطاعت أن تقدّم نموذجاً يتسم بالحكمة والواقعية في مقاربة الأزمات الدولية، يحاول إنصاف الفلسطينيين وانتشال قضيتهم من حالة التسييس التي همّشتها وحوّلتها إلى ورقة في أيدي المحاور المتناحرة.

السؤال الجوهري الذي يتجاوز اللحظة الراهنة: ماذا بعد هذه العزلة؟ وكيف يمكن استثمارها على المدى الطويل؟ الأمر لا يتعلق فقط بفتح نافذة جديدة أمام مشروع حل الدولتين؛ بل بضرورة التفكير في إعادة التوازن في عالم ذهبت فيه إسرائيل بعيداً بصلفها ووحشيتها، واستندت إلى منطق القوة أكثر من أي شرعية قانونية أو أخلاقية. فالعزلة الراهنة يمكن أن تتحول إلى بداية مسار جديد، إذا أحسن المجتمع الدولي قراءتها وتوظيفها.

مرحلة ما بعد نتنياهو قد تكون حاسمة في هذا السياق، ليس لأنه يمثل منفرداً أزمة إسرائيل؛ بل لأنه جسّد نموذجاً سياسياً استمد وجوده السياسي من الاستقطاب الداخلي، والارتهان لتحالفات ظرفية، والاعتماد على خطاب القوة المفرطة. إسرائيل بعد نتنياهو ستواجه أسئلة أعمق من مجرد هوية رئيس وزرائها القادم: هل تستطيع أن تنتقل من دولة القوة المفرطة إلى دولة يمكنها التعايش مع محيطها؟ وهل يمكنها إعادة تعريف هويتها بما يسمح بقبول الفلسطينيين أولاً شريكاً فاعلاً لا جماعة محكومة بالقوة العسكرية؟ وما الذي يعنيه أن تستمر دولة، لطالما زعمت أنها تمثل النموذج الديمقراطي الوحيد في المنطقة، في فقدان شرعيتها الدولية؟

نجاح أي مسار سياسي لا يرتبط بإسرائيل وحدها؛ بل يقتضي أولاً تحقيق مصالحة فلسطينية - فلسطينية تُعيد اللُّحمة إلى الصف الوطني وتمنح أي مشروع تسوية شرعية داخلية حقيقية؛ فقد أثبتت التجارب أن الانقسام بين غزة والضفة شكّل أكبر هدية لإسرائيل، وأتاح لها التذرع بغياب شريك فلسطيني موحد لتبرير رفضها أي حلول. إن اللحظة الدولية الراهنة بما تحمله من ضغوط وعزلة على إسرائيل، تمثل فرصة للفلسطينيين لإعادة بناء بيتهم الداخلي، وتجاوز الانقسامات الفصائلية، وصياغة مشروع وطني جامع يقوم على برنامج سياسي واقعي مدعوم بشرعية مؤسساتية. بهذا المعنى، المصالحة الداخلية ليست ترفاً سياسياً؛ بل شرط ضروري لاستثمار ما تبقى من ضمير العالم في إعادة الاعتبار لحقوق الفلسطينيين.

الاستثمار الحقيقي في عزلة إسرائيل يكمن في تحويلها إلى رافعة لإعادة الاعتبار لمفاهيم مهدَّدة في النظام العالمي: فكرة الدولة، وفكرة التنظيم الدولي، وفكرة التعايش. فحل الدولتين ليس مجرد تسوية إجرائية بين طرفين؛ بل هو رهان على إبقاء فكرة الدولة الفلسطينية حيَّة، بوصفه إطاراً يمكن أن يجمع العالم حوله، مهما طال الزمن وتعاقبت الانتكاسات. هنا يكمن دور السعودية الحيوي: ضمان أن تبقى القضية الفلسطينية في إطار سياسي منظم، بعيداً عن الفوضى والشعارات، وأن تُبقي المجتمع الدولي معنياً بمتابعة مسارها.

لكنَّ التحدي الأعمق لا يقتصر على فلسطين وحدها؛ فأسئلة العنف والسلام والتعايش والدولة التي يثيرها المشهد الفلسطيني - الإسرائيلي تمثل نموذجاً مصغراً لأزمات أوسع في المنطقة: من سوريا إلى العراق إلى اليمن ولبنان. وإذا استطاع العالم أن يتعامل مع مأزق إسرائيل من منظور إنساني وقانوني، فقد ينجح أيضاً في إعادة تعريف كيفية التعامل مع الأزمات المشابهة. بهذا المعنى، عزلة إسرائيل ليست مجرد قضية إقليمية، بل اختبار عالمي لما تبقى من ضمير العالم.

إن المجتمع الدولي اليوم مدعوٌّ لأن يبرهن على أنه قادر على أكثر من تسجيل المواقف الرمزية. عليه أن يترجم عزلة إسرائيل إلى مسارات سياسية تضغط على تل أبيب للعودة إلى منطق الدولة لا منطق القوة، وعلى الفلسطينيين لإعادة بناء مؤسساتهم على أسس تُمكّنهم من الشراكة في أي تسوية مقبلة. والسعودية، بما تملكه من ثقل جيوسياسي وقدرة على بناء الجسور، مؤهَّلة لأن تكون القوة القائدة في هذا التحول؛ ليس فقط لصالح الفلسطينيين، بل لصالح استقرار المنطقة بأسرها.

عزلة إسرائيل ليست مجرد محطة سياسية عابرة، بل جرس إنذار أخير يذكّر العالم بأن ضميره لم يمت بعد، وأن فلسطين -بمصالحة أبنائها وصوت عقلانية حلفائها- قادرة على أن تتحول من قضية مغيّبة إلى معيار أخلاقي يعيد التوازن والكرامة إلى نظام دولي مترنّح. فإذا لم يُستثمر ما تبقى من هذا الضمير الآن، فمتى؟

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عزلة إسرائيل واستثمار ما تبقى من ضمير العالم عزلة إسرائيل واستثمار ما تبقى من ضمير العالم



GMT 06:27 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عناصر الفشل

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

هذا العالم... «مرة أخرى»

GMT 06:22 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نار لبنانية من دون تدفئة

GMT 06:21 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري

GMT 06:19 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

حرب أهلية تهدد أميركا ترمب

GMT 06:17 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

تركيب الدولة العربية وتفكيكها

GMT 06:15 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:32 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عون يؤكد تعزيز دور القضاء ضروري لتسريع البت بقضايا الموقوفين
 لبنان اليوم - عون يؤكد تعزيز دور القضاء ضروري لتسريع البت بقضايا الموقوفين

GMT 13:56 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 21:00 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 10:12 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 06:51 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 23:17 2021 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

إطلالات شبابية عصرية من الممثلة المصرية هبة الدري

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 05:23 2020 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

غوتيريش يعرب عن قلقه من تطورات جنوب اليمن

GMT 16:16 2020 السبت ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

تطورات جديدة في قضية وفاة الأسطورة "دييغو مارادونا"

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 19:20 2023 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

نوال الزغبي تتألق بإطلالات خريفية مُميّزة

GMT 12:50 2025 الخميس ,16 تشرين الأول / أكتوبر

ببغاء يُفاجئ باحثي بممارس لعبة تُشبه الغولف

GMT 12:49 2020 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

صيحات مناكير الأظافر لربيع 2020.. مشرقة وفريدة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon