هذا العالم

هذا العالم

هذا العالم

 لبنان اليوم -

هذا العالم

بقلم : د. محمود محيي الدين

أمسينا العام الماضي ونحن في شك من استمرار ما يعرف بالنظام العالمي بعد وهن ألمَّ به، وصدمات ومربكات لاحقت ما تبقى منه. وها نحن مع العام الجديد نصبح على يقين من أن هذا «النظام»، قد انتهى، وانهارت مصداقيته. وقد عاصر العالم مثل هذا الوضع من قبل، بتآكل بنيان النظام وإن بقيت بناياته كأعجاز النخل الخاوية، عندما عجزت القوى الحاكمة في فترة ما بين الحربين العالميتين عن إحكام السيطرة، ولم يكن الأمر قد انعقد بعد للقوى الصاعدة لتمسك بزمام الحكم، فأوجد هذا فراغاً شغله شعبويون من الفاشيين والنازيين، الذين وصفهم الفيلسوف والمنظر السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي بالمسوخ أو الوحوش الضارية.

ونلاحظ أن المتطرفين من الشعبويين، على اختلاف انتماءاتهم، لا ينشئون وضعاً جديداً، بل تجدهم ماهرين في قراءة ما أصاب المؤسسات القائمة من وهن، وما يعانيه الشارع من خذلان، فيمتطون الموجات الصاعدة النافرة من الأوضاع، ويعدون بتغييرات تدغدغ مشاعر الحانقين. فإذا وصلوا لسدة الحكم، بأي سبيل سلكوه، سارعوا بإجراءات انتهازية. وعادة ما تشمل هذه الإجراءات استعداء الأجانب وإن كانوا من الحلفاء المسالمين، والتنكيل بالأقليات والمهاجرين، وتقييد حركة التجارة والاستثمار إلا على ذوي الحظوة المقربين، واتهام نظم «بائدة» ومؤامرات خارجية وحبكات داخلية بسوء الآلام الراهنة، وإن لم يتسبب فيها حقاً إلا سوء صنيع الشعبويين أنفسهم.

ولمزيد من الإمعان في المخاطر المرتقبة والتحسب لها، مع اغتنام الفرص السانحة بسياسات محكمة يمكن الاسترشاد بتقارير أعدتها مؤسسات عدة دأبت على إصدارها مع نهاية عام وبداية آخر. ولا ينبغي التعامل معها كتنبؤات بغيب، ولكنها قراءة للحاضر مستشرفة احتمالات قد يحملها المستقبل ينبغي الاستعداد له بكل مستطاع. ومن كثرة ما هو متاح واطلعت عليه أسترشد بثلاثة تقارير: الأول من إعداد مؤسسة «أكسا»، وهي إحدى مؤسسات التأمين العالمية، وهي كمثيلاتها من قطاعها لا تكتفي برصد وتصنيف المخاطر وإنما تسعرها. والتقرير الثاني من إعداد مجلة «فورين بوليسي»، ويصدر سنوياً منذ عام 2017. أما التقرير الثالث، فهو لمجموعة «يوراسيا» التي يقودها المحلل السياسي إيان بريمر.

ولـنزن هذه المخاطر والتوقعات بميزانين: الأول أننا في «واقع جديد» لما بعد «النظام» العالمي الذي صار بالفعل سابقاً، والآخر أن هذه التقارير متأثرة حتماً بمحل نشأتها ومحيط إصدارها بانتمائها لنصف العالم الغربي؛ فعلينا أن نأخذ منها ونترك بحكم أولوياتنا وما نعتبره من مصالحنا.

أما تقرير «أكسا»، فيبدأ بتأكيد 95 في المائة من الخبراء و93 في المائة من عموم الناس المستطلع رأيهم، أن الأزمات قد تكاثرت وارتفعت في السنوات الأخيرة، وأن 85 في المائة من المجموعتين تقريباً يرون أن أغلب المخاطر التي يخشى منها يمكن منعها جزئياً بإجراءات مانعة. أما المخاطر مرتبة وفقاً للخبراء، فهي: 1- تغيرات المناخ، 2- التقلبات الجيوسياسية، 3- الأمن السيبراني، 4- الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، 5- التوترات والحركات الاجتماعية، 6- الموارد الطبيعية، 7- الاقتصاد الكلي، 8- مخاطر الطاقة، 9- مخاطر الاضطراب المالي، 10- التغير الديموغرافي.

أما تقرير مجلة «فورين بوليسي» عن المخاطر الأكثر تهديداً، فكان ترتيبها كالآتي: 1- مستنقع الرئيس ترمب الاقتصادي، 2- تفسخ النظام الدولي، 3- التحول الأميركي بشأن الأميركتين باتباع ما يعرف بـ«نهج مونرو» (الذي يعود للقرن التاسع عشر بأن أي تدخل في نصف العالم الغربي هو بمثابة عمل عدواني)، 4- بداية عصر التهديد النووي الثالث بفعل الذكاء الاصطناعي والمخاطر السيبرانية (باعتبار أن العصر الأول هو سباق التسلح للحرب الباردة، والثاني ما بعدها بتعهدات تخفيض الترسانة النووية)، 5- تمرد جيل زد (المولود في 1997 حتى 2012)، 6- زيادة تمكن الرئيس بوتين، 7- تدهور المناخ، 8- شرق أوسط مستمر الخطورة، 9- الذكاء الاصطناعي كمربك أكبر، 10- تزعزع المنطقة الآسيوية - الباسيفيكية.

وتأتي أعلى المخاطر وفقاً لتقرير «يوراسيا غروب» على هذا الترتيب: 1- الثورة السياسية الأميركية، 2- تكنولوجيا الطاقة، 3- اتباع نهج مونرو- السابق ذكره - بشأن الأميركتين، 4- أوروبا تحت حصار (الأزمات السياسية)، 5- الجبهة الثانية لروسيا (بتصعيد الحرب لما بعد أوكرانيا)، 6- رأسمالية الدولة بخصائص أميركية، 7- فخ الانكماش في الصين، 8- الذكاء الاصطناعي يأكل مستخدميه، 9- اتفاق «زومبي» فاقد للحياة في أميركا الشمالية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، 10- سلاح المياه.

وإلى أن أستعرض أولويات المخاطر والفرص لمنطقتنا العربية في مقال قادم، أنتقي مما ذكرته التقارير السابقة بتركيز على ما ورد فيها؛ فمنطقتنا منكشفة للمخاطر المذكورة جميعاً بنسب متفاوتة، وإن بعدت في بعض الأحوال مراكز حدوثها: أمن المياه، بخاصة مع تغيرات المناخ؛ وأمن الطاقة وتحديداً فيما يتعلق بالصراعات والارتجال في إجراءات التحول غير العادل للطاقة؛ والصراعات الجيوسياسية القديمة والمستجدة التي تعاني منها منطقتنا؛ وتداعيات الأزمات الاقتصادية والمالية بما في ذلك الديون. أما فيما لم تذكره التقارير صراحة، وإن ارتبط بالطاقة والمياه والصراعات الجيوسياسية المذكورة فهو الأمن الغذائي.

ما العمل إذن فيما بدأت به بشأن سقوط قواعد النظام الدولي، وانهيار السواتر الرقيقة التي كانت تتجمل وراءها أفاعيل القوى الكبرى مبررة تصرفاتها بشعارات كنشر الديمقراطية وحماية الحريات وبناء الأمم. العمل المطلوب يسير الوصف، ولكنه يستدعي الاجتهاد كله في التنفيذ بتحصين نظام الدولة من داخلها بإعلاء القانون، وحماية الحقوق، وتوطين التنمية وسد منافذ الخلل وذرائع التدخل. فهل يعير «نظام» دولي سقط أهم ما يفتقده وهو وجوده أصلاً؟

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هذا العالم هذا العالم



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 15:40 2021 الجمعة ,10 كانون الأول / ديسمبر

أسلوب الكلام الراقي حسب قواعد الإتيكيت

GMT 01:07 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

السيد يكشف أنّ العلاج بجزيئات الذهب يقضي على السرطان

GMT 01:56 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

وفاة الفنان المصري هادي الجيار بعد صراع مع كورونا

GMT 09:33 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

نصائح مُهمّة لتنظيم أفراح صيف 2019

GMT 10:58 2022 السبت ,19 آذار/ مارس

واشنطن ومطرقة روسيا وسندان الصين

GMT 17:47 2025 الإثنين ,20 تشرين الأول / أكتوبر

زيلينسكي يطالب بتجميد الحرب قبل محادثات السلام

GMT 08:10 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

فيتامينات ومعادن أساسية ضرورية لشيخوخة أفضل صحياً

GMT 19:23 2024 السبت ,27 إبريل / نيسان

أكذوبة النموذج الإسرائيلي!

GMT 17:55 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

احدث موديلات فساتين زفاف لعام 2021 للعروس الممتلئة

GMT 04:22 2018 الأربعاء ,22 آب / أغسطس

العيب فى بعضنا وليس فى الإسلام!
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon