بقلم: عبد المنعم سعيد
«عالم دونالد ترامب» و«الصعود الصينى» فى تفاعلهما تبدأ خطوات نهاية مرحلة من مراحل تطور النظام العالمي؛ وكلاهما يعود بهذا النظام إلى مكوناته الأولى من الدول القومية - Nation States - التى وجدت طوال القرن التاسع عشر، وتعاركت فى النصف الأول من القرن العشرين، وحاولت إقامة نظام يستند إلى الشرائع الدولية فى النصف الثاني؛ ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، وعلى مدى العقود الثلاثة التالية أصبحت الولايات المتحدة قائدة لنظام العولمة. «نهاية العولمة» بدأت مع تراجع الولايات المتحدة فى السياسة العالمية بعد خروجها من العراق وأفغانستان، والمنافسة الاقتصادية الصينية لها، والتوافق الصينى ـ الروسى على مراجعة النظام الدولى الأحادى القطبية، وقدوم ترامب إلى البيت الأبيض حاملا شعار «أمريكا أولا»، وعندما سكنه جعل توجه واشنطن إلى المجال الغربى فى أمريكا اللاتينية تطبيقا لمبدأ «مونرو» القديم. الحرب الروسية ـ الأوكرانية خلقت فارقا بين أوروبا والولايات المتحدة يكفى لاقتراب الأخيرة من الصين بينما تتزايد الشروخ داخل الاتحاد ابتداء من الخروج البريطانى إلى الانقسام بشأن الإنفاق على الحرب فى أوكرانيا.
كلا العاملين فى الولايات المتحدة والصين دق مسمارا إضافيا فى العالم الليبرالى الذى خلقته «العولمة» منذ بداية التسعينيات من القرن الماضى الذى قدم وصفات قيمية وإيديولوجية مسلحة بالسلاح الاقتصادى لمعيشة المجتمعات والشعوب ترفضها ثقافات عديدة تراها نوعا من «الإمبريالية الجديدة». ترامب لم يكن فى صف الرؤساء الأمريكيين الذين استندوا إلى إعلان الاستقلال الأمريكى وبعده الإنسانى فى المساواة بين البشر؛ وإنما كان ابنا لثقافة ضيقة إنجيلية بيضاء ذات حواجز ثقافية لا ترى فى العالم إطارا للوحدة وإنما ترى انقساما بين وحدات ذات سيادة واستقلالا ثقافيا وفكريا. لدى كليهما فإن الاقتصاد الرأسمالى له صيغ متعددة، ولا ينبغى له أن يكون فى قبضة دولة واحدة ذات بعد واحد. ولأول مرة منذ الثورة الفرنسية التى وضعت أساس ما بات معروفا بالعالم «الغربى» فإن العالم يعود مرة أخرى إلى وحداته الأولي.