كأس أفريقيا في المغرب احتفال بالقيم قبل النتائج

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

 لبنان اليوم -

كأس أفريقيا في المغرب احتفال بالقيم قبل النتائج

بقلم: لحسن حداد

كرة القدم هي أكثرُ من مجردِ تنافسٍ رياضي؛ إنَّها فضاء رمزيٌّ للهوية ومنصة للقيم. وهي تختبر قدرةَ الشعوب على العيش المشترك، والانضباط الجماعي، والاحتفال داخل منظومة تتعايش فيها الذواتُ والانتماءاتُ في توازنٍ دقيق بين الاختلاف والوحدة.

وفي أفريقيا تحديداً، تحمل كرة القدم شحنةً تاريخية كثيفة، حيث يمتزج اللعبُ داخل الملعب، والتفاعل في المدرجات وأمام شاشات التلفزيون، بذاكرة التَّحرر وبحلم الوحدة العابرة للحدود. وتنظيم المغرب لكأس أفريقيا ليس فقط نجاحاً متميزاً، بل هو أيضاً اختبار لقدرة الرياضة على إنتاج معنى حضاري يمسّ الهوية المغربية والأفريقية في تفاعلها، وتجلياتها، وتعايشها الواقعي والممكن.

كل الشعوب الأفريقية التي أتت إلى المغرب، المتميز بحفاوته الطائية، جسدياً أو رمزياً عبر الشاشات، تحتفل يومياً، طيلة هذا الشهر، بهذه اللحظة الأفريقية الاستثنائية التي تجسد أفريقيا التي تريدها الأجيال، والحلم الذي تتطلع إليه كل الأعمار: أفريقيا منظمة، محتفلة بقيم التنافس الشريف، والانتصار (مع قبول الهزيمة كذلك)، مندمجة في مسار احتفالي نابض بالرقص والغناء واللباس والتعدد الثقافي. والتنظيم لا يُقاس بالخطاب، بل بالبنية التحتية المتميزة، وبجودة استقبال الفرق والجماهير.

لكن الاستقبال لا يُقاس فقط بالاحترافية المؤسساتية، بل كذلك بالحفاوة الشعبية، وسهولة تنقل الجماهير، وانضباط الجمهور المغربي وتفاعله الإيجابي مع الجماهير الأفريقية الأخرى، والاحتفال النظيف، ودعم مختلف المنتخبات في روح رياضية احتفالية، داخل فضاء جامع يوحّد ولا يفرّق. التنظيم قوة ناعمة في حدّ ذاته، وهو دليل على القدرة المؤسسية للبلد المضيف، وعلى تجذّر الحفاوة في ثقافته.

المشجّع الكونغولي، ميشال مبولادينغا، لفت الأنظار وهو يجسّد، في كل مباراة ولمدّة ساعات متفرقة، وقفة باتريس لومومبا، فأصبح نجماً للجماهير الأفريقية، مجسّداً الاحترام وذاكرة التحرر لأحد أبرز رموز الكفاح الأفريقي ضد الاستعمار. لقد حوّل حضوره الصامت إلى رسالة رمزية قوية تختزل الكرامة والذاكرة والاعتراف بالتاريخ المشترك.

قيم كرة القدم تعني الاحتفال بالنصر، كما تعني أيضاً قبول الهزيمة بروح رياضية عالية. فلا يجوز الهجوم على الحكام أو ممارسة العنف ضد الفريق المنتصر.

واللاعبون يظلون قدوة للجماهير وللناشئة؛ فإذا تشاجر اللاعبون واعتدوا على الحكام، فماذا يُنتظر من الجمهور؟ إن الرياضة لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تتحول إلى مدرسة للانضباط، واحترام القانون، وضبط الانفعال. والبعد الأخلاقي للرياضة هو أحد أرقى أهداف التباري والتنظيم والاحتفالية، وهو ملازم للتعدد الثقافي الذي تحتضنه المباريات. فالرياضة تعكس مدى نضج المجتمعات ومتانة مؤسساتها. واللعب النظيف شرط أساسي لكي تمر المباريات في جو تنافسي شريف، ويكون الحسم في النهاية للأجدر تقنياً وبدنياً، لا غير.

ما يميّز هذه الكأس هو الغياب شبه التام لمظاهر العنف والسلوك اللاأخلاقي، باستثناء مباراة واحدة فقط، وهو تطور إيجابي كبير يُحسب لهذه التظاهرة. نعم، علينا أن ننبذ سلوكات بعض اللاعبين الذين لم يتقبلوا الهزيمة بروح رياضية.

لقد بدت صورة كرة القدم الأفريقية، والثقافة الأفريقية، وصورة أفريقيا لدى العالم كفضاء توحّده قيم العيش المشترك، والتنافس النزيه، والعطاء، والاحترافية في التنظيم والاستقبال ناصعة. كأس أفريقيا ليست مجرد بطولة رياضية، بل لحظة حضارية ساهم في بنائها البلد المنظِّم، المغرب، بما أبداه من احترافية عالية، وساهم فيها الشعب المغربي بحفاوته، كما أسهمت فيها الشعوب الأفريقية باحتفاليتها الغنية وتعددها الثقافي الخلّاق، واللاعبون بما قدّموه من صورة إيجابية عن المؤهلات والمهارات الأفريقية.

القيم ليست خطاباً يُرفع، بل ممارسة يومية في الملعب، وفي المدرجات، وعلى صفحات الجرائد، وفي الفضاء الرقمي. هناك تُختبر المصداقية الجماعية، وهناك تُبنى صورة أفريقيا التي نريدها ونستحقها.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كأس أفريقيا في المغرب احتفال بالقيم قبل النتائج كأس أفريقيا في المغرب احتفال بالقيم قبل النتائج



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 15:40 2021 الجمعة ,10 كانون الأول / ديسمبر

أسلوب الكلام الراقي حسب قواعد الإتيكيت

GMT 01:07 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

السيد يكشف أنّ العلاج بجزيئات الذهب يقضي على السرطان

GMT 01:56 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

وفاة الفنان المصري هادي الجيار بعد صراع مع كورونا

GMT 09:33 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

نصائح مُهمّة لتنظيم أفراح صيف 2019

GMT 10:58 2022 السبت ,19 آذار/ مارس

واشنطن ومطرقة روسيا وسندان الصين

GMT 17:47 2025 الإثنين ,20 تشرين الأول / أكتوبر

زيلينسكي يطالب بتجميد الحرب قبل محادثات السلام

GMT 08:10 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

فيتامينات ومعادن أساسية ضرورية لشيخوخة أفضل صحياً

GMT 19:23 2024 السبت ,27 إبريل / نيسان

أكذوبة النموذج الإسرائيلي!

GMT 17:55 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

احدث موديلات فساتين زفاف لعام 2021 للعروس الممتلئة

GMT 04:22 2018 الأربعاء ,22 آب / أغسطس

العيب فى بعضنا وليس فى الإسلام!
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon