نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

 لبنان اليوم -

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

بقلم: لحسن حداد

لماذا تفشل «الحلولُ التقليدية» أمام «التعقيدِ البنيوي» لمشكلات التنمية التي تواجهها دول الجنوب؟ ولماذا أصبحت قضايا التنمية أكبر تعقيداً في عالم مترابط تتداخل فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية وسياسية يصعب فصلها أو تدبيرها بشكل قطاعي؟ لعل الوقت قد حان للانتقال من التفكير في «مشكلات قابلة للحل» إلى التعامل مع «إشكاليات معقدة» لا تستجيب لمنطق الوصفات الجاهزة.

ولا نعني بالتعقيد هنا بالضرورة المعنى الفلسفي الذي يطرحه إدغار موران، الذي يرى أن الواقع يتكوّن من أنظمة مترابطة يتفاعل فيها الكل مع الأجزاء في حركة دائمة، ولا يمكن فهمها عبر مقاربات اختزالية، بل من خلال تفكير منظومي متعدد التخصصات. ما نقصده هنا هو نوع من الاستعصاء العملي الذي يجعل أدوات السياسات العمومية التقليدية عاجزةً عن إحداث أثر مستدام، ويحوّل كثيراً من تدخلات التنمية إلى جهود مكلِّفة لكن نتائجها محدودة. من هنا تبرز أهمية مقاربة «المشكلات الشرسة» بوصفها إطاراً تحليلياً لفهم هذا النوع من التعقيد.

«المشكلات الشرسة» نظرية صاغها ريتل وويبر في سبعينات القرن الماضي. وتنطلق هذه النظرية من أن كثيراً من مشكلات السياسات العمومية والتخطيط ليست مشكلات تقنية محضة قابلة للحل بأساليب تدبيرية أو تكنوقراطية، بل هي «مشكلات شرسة» تتسم بالغموض، وتداخل الأسباب، وتَعارُض طرق تقييمها، وتشابك المصالح المرتبطة بها.

ولهذا؛ لا يمكن صياغة هذه المشكلات أو تحديدها بشكل نهائي وصارم؛ لأن كل محاولة لحلها تغيّر من طبيعتها وتعيد تشكيلها، وقد تزيد من درجة تعقيدها بدل تقليصها.

إن أفضل المقاربات لمواجهتها ليست وصفات جاهزة، بل حكامة تقوم على حوار مستدام بين مختلف الأطراف المعنية، وتعلّم تدريجي، وآليات مؤسساتية لتدبير التعقيد والخلاف. أما المقاربات التكنوقراطية السريعة، فلا تُنتج في الغالب سوى الإحباط، وتؤدي إلى تآكل الثقة، وضعف انخراط الفاعلين المعنيين.

لهذا يصنَّف كثير من مشكلات التنمية المستعصية في بلدان الجنوب - مثل الفقر، والتعليم، والصحة، وبطالة الشباب، وانعدام الأمن، والتحولات المناخية - ضمن فئة «المشكلات الشرسة»؛ لأنها تتداخل فيها أبعاد متعددة، ولأن تضارب مصالح الأطراف المعنية يجعل إرضاء الجميع أمراً بالغ الصعوبة، كما أن إيجاد حلول مستدامة لها يتطلب وقتاً طويلاً ومسارات تجريبية متدرجة.

لكن الإشكال الأكبر هو أن هذه المشكلات تتطلب وقتاً للحل، وفي الوقت نفسه يتغير الواقع باستمرار، وتتغير معه طبيعة المشكلات نفسها، فتغدو الحلول التي كانت مطروحة في البداية غير ملائمة لاحقاً. وهذه ما يمكن تسميتها «مفارقة الحلول الثابتة والواقع المتغير».

ومن ثم، فإن الحلول نفسها يجب أن تكون مرنة ومتغيرة، وهذا أمر بالغ الصعوبة، خصوصاً في سياقات سياسية تتسم بمركزية القرار وضعف اللامركزية. لذلك؛ يصبح «تمكين الفاعلين المحليين ومنحهم الموارد والصلاحيات لتجريب الحلول وتعديلها أو التخلي عنها عند الضرورة» عنصراً حاسماً في أي مقاربة ناجعة.

في هذا الإطار، يظل الحوار، والحكامة التشاركية، والتعلّم المؤسسي المستمر، ركائز أساسية للتعامل مع هذا النوع من المشكلات، بدل البحث عن حلول سريعة توحي باليقين بينما الواقع بطبيعته غير يقيني.

والمشكل في دول الجنوب أن الساسة والبيروقراطيين ما زالوا مهووسين بالحلول التقليدية الخطية، المبنية على تصنيفات متجاوزة للواقع، ولا تنبثق من تشخيص تشاركي حقيقي.

وفي المقابل، يلجأ بعض الدول إلى التكنوقراط بوصفهم حلاً سحرياً، متوهّمة أن تفوقهم التقني أو التدبيري في القطاع الخاص يمكن أن ينتقل بسلاسة إلى مجال السياسات العمومية، وهو افتراض خاطئ. فالتكنوقراط قد يُحسِّنون بعض الجوانب التقنية أو التدبيرية، لكن قدرتهم على التواصل السياسي، وعلى تحليل مصالح ومواقف الأطراف المعنية، وعلى تدبير الزمنَين السياسي والتشريعي، وعلى تعبئة التحالفات الضرورية للإصلاح... تظل في الغالب محدودة، وقد تتحول في كثير من الحالات إلى عائق بنيوي أمام إنتاج حلول قابلة للتنفيذ والاستدامة.

لهذا؛ يصبح من الضروري الانتقال من «وهم السيطرة» إلى «ذكاء التكيّف»... فالتنمية ليست مشروعاً تقنياً قارّاً ومغلقاً، بل هي مسار تفاوضي مستمر، يتشكّل عبر التفاعل بين الفاعلين، ويتأثر بتغيّر السياقات وتبدّل موازين القوى والمصالح. وتصميم السياسات العمومية يقتضي تواضعاً معرفياً عميقاً، مفاده بأن الساكنة غالباً ما تعرف تفاصيل واقعها أكثر مما يعرفه المسؤولون، وأن «أهل مكة أدرى بشِعابها»، وأن المعرفة نفسها ليست ثابتة، بل متحوّلة بتغيّر الواقع وتحوّل مصالح الفرقاء.

وعليه؛ فإنَّ كل من يهمه أمر التنمية مدعوٌّ إلى الإقرار بأن «إدارة التعقيد» ليست ترفاً فكرياً ولا نقاشاً فلسفياً مجرّداً، بل هي كفاءة استراتيجية حاسمة، يتوقف عليها نجاح السياسات العمومية وقدرتها على الاستجابة للتحولات، وعلى تحقيق أثر حقيقي ومستدام. فدون هذا التحول في طريقة التفكير، سنظل نعيد إنتاج الأدوات نفسها أمام واقع يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه، فضلاً عن تدبيره.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 13:05 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 13:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 19:33 2022 السبت ,07 أيار / مايو

البنطلون الأبيض لإطلالة مريحة وأنيقة

GMT 22:04 2021 الأربعاء ,06 كانون الثاني / يناير

أمامك فرص مهنية جديدة غير معلنة

GMT 19:27 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ميتا تطلق نظام ذكاء متقدم يدعم أكثر من 1600 لغة

GMT 14:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

بعد أن أصبح ١٨٪ من السكان عجائز وانخفضت القوى العاملة

GMT 14:06 2023 الإثنين ,03 إبريل / نيسان

إتيكيت عرض الزواج

GMT 19:56 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

الأحزمة الرفيعة إكسسوار بسيط بمفعول كبير لأطلالة مميزة

GMT 11:49 2022 الأحد ,03 تموز / يوليو

حيل بسيطة للحصول على مظهر طويل وجذاب

GMT 13:10 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول

GMT 20:23 2025 الأربعاء ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

توغل إسرائيلي نحو بركة المحافر في عيترون
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon