ما بعد الفعل الأميركي

ما بعد الفعل الأميركي

ما بعد الفعل الأميركي

 لبنان اليوم -

ما بعد الفعل الأميركي

بقلم:عمرو الشوبكي

لم يكن خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مخبئه المحصَّن على يد القوات الأميركية هو الفعل الأول، ولن يكون الأخير، الذي تقوم به واشنطن تجاه من عدَّتهم رؤساء مارقين نالوا لائحة اتهام أميركية طويلة، بدأت في نهايات القرن الماضي مع صدام حسين؛ واتُّهم بأنه يمتلك أسلحة كيماوية، وانتهت مع مادورو، واتُّهم بتجارة المخدرات، وقبلهما كانت هناك «أفعال أخرى» ضد حكم «طالبان» في أفغانستان، ومع مانويل نورييغا في بنما 1989، وغيرهم الكثير.

لقد نجحت الولايات المتحدة في تحقيق الهدف الأول من غزوها لهذه البلدان؛ وهو إسقاط النظام المارق أو القبض على الرئيس المغضوب عليه، ولكنه لم يعنِ أنها جلبت الاستقرار أو أسَّست لبديل أفضل لحكم هذا البلد أو ذاك.

من المؤكد أن قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلقاء القبض على رئيس دولة أخرى ارتكب من الأخطاء الكثير، وتحويله إلى المحاكمة في نيويورك، يمثلان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ويكرسان هيمنة فلسفة القوة الأميركية - الإسرائيلية على النظام الدولي على حساب معاني احترام القانون ومؤسسات الشرعية الدولية، إلا إن المشكلة تكمن فيما «بعد الفعل»، وكيف سيدار بلد مثل فنزويلا؟ وهل ستتعلم الولايات المتحدة من الدروس السابقة وتكتفي ببريق «الفعل الاستعراضي»، واقتياد رئيس دولة من مخبئه المحصن إلى أميركا، وتدير البلد من بُعد، وتجذب نائبة الرئيس الفنزويلي لتوجهاتها، وتحصل على النفط، وتقضي على عصابات المخدرات؟

يقيناً الأداء الأميركي فيما بعد الفعل في حالة فنزويلا يختلف عن تجارب سابقة، خصوصاً بلدان الشرق الأوسط، ولكنه أيضاً لا يخلو من استعراض ومن تركيز على «الفعل الأوَّلي» لا على تبعاته ونتائجه.

لقد استهدفت أميركا نظماً بعينها وفق معاييرها وحساباتها الخاصة، وليس بسبب انتهاك القانون أو ارتكاب هذه النظم جرائم تتطلّب محاسبتها أو تدخّلها الخشن، فهناك نظم استبدادية تدعمها أميركا وهناك أخرى ترفضها، ولكنّ تدخّلها بهذا الشكل الفج عادةً لا ينجح إلا مع النظم الضعيفة والمنقسم شعبها حول شرعية الحكم القائم وليس مجرد خلاف سياسي معه.

إن الرئيس مادورو فاقد لجانب من شرعيته الداخلية والخارجية منذ أن أجرى انتخابات مشكوكاً في نزاهتها عامي 2019 و2024، ولم يعترف بنتائجها معظم دول العالم بما فيها دول من أميركا الجنوبية ليست معادية للتجربة الفنزويلية ورئيسها، وهذه كلها أسباب سهَّلت من نجاح «الفعل الأميركي»، ولكن لا يمكن القول إنها السبب الأساسي وراءه، فهناك المصالح الأميركية في ثوبها «الترمبي» الجديد، وهناك المنظومة الأميركية بمعناها السياسي والاقتصادي وأُضيفت إليها مؤخراً مقولة «حب ترمب» وتبجيله، التي ترغب واشنطن في فرضها على الجميع، خصوصاً الدول الضعيفة أو تلك الواقعة فيما ما زالت تعدها «حديقتها الخلفية» في أميركا الجنوبية.

ومع ذلك فإن الفعل الأميركي حتى هذه اللحظة ظل مختلفاً عمَّا جرى في بلدان عربية وإسلامية دفعت ثمناً باهظاً لهذه «الأفعال التدخلية»، وهو ما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بشكل واضح من أن «فنزويلا ليست دولة شرق أوسطية»، وأن التغيير لن يكون كاملاً، وسيكون من داخل النظام حتى ولو لفترة محدودة. وقال أيضاً: «إنها ليست العراق وأفغانستان وليبيا، وإنها في نصف الكرة الغربي، وهي دولة غنية جداً، ومشكلتنا كانت مع رئيسها الذي تقرَّب من إيران و(حزب الله) وسمح لعصابات تهريب المخدرات بالعمل بحرّية، وترك الملايين يهاجرون خارج بلده»، ولم يتحدث الوزير عن «فوضى خلّاقة» من أجل نشر الديمقراطية، كما قالت كونداليزا رايس، عن مبررات الغزو الأميركي للعراق.

إن الفعل الأميركي في فنزويلا على «مقاس كاراكاس»، ولا يمكن القول إنه هو نفسه الذي حدث عقب غزو العراق في 2003 وإسقاط النظام والدولة بالقوة المسلحة، وقبلها غزو أفغانستان وإسقاط حكم «طالبان» واحتلالها لنحو 20 عاماً فشل في هندسة الدولة والمجتمع على المقاس الأميركي، وعادت حركة «طالبان» مرة أخرى لحكم البلاد.

الفعل الأميركي في فنزويلا قدَّم حسابات مختلفة عن التجارب السابقة؛ فقد اختطف الرئيس وأبقى نائبته ومنظومته السياسية تحكم البلاد بصورة محسّنة عمَّا سبق، فأفرجت نائبة مادورو عن معتقلين سياسيين، وأعطت نفطاً لشركات أميركية، ووعدت بتقليص علاقتها التجارية مع روسيا والصين وإيران، وقالت إنها ستحارب تجارة المخدرات، ومع ذلك فإن الاحتجاجات ضد خطف الرئيس مستمرة، وفرص قبول أغلب الفنزويليين بحكم مَن تدعمهم أميركا تقلصت بصورة كبيرة، بما يعني أن الفعل الأميركي عرف أن إسقاط أي منظومة حكم من دون وجود بديل سياسي وأمني متوافَق عليه من أغلب الشعب نتائجه في الواقع ستكون كارثية، وبالتالي أصبح في فنزويلا مجرد فعل استعراضي أخاف البعض ولكنه من حيث المضمون أبقى نفس منظومة الحكم القديمة مع بعض التحسينات.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما بعد الفعل الأميركي ما بعد الفعل الأميركي



GMT 06:43 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

بلاها الفزعات وإعلانات الطوارىء !

GMT 06:41 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

قرنٌ من الفلسفة

GMT 06:39 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

الكرديُّ الخَائف والكرديُّ المُخيف

GMT 06:38 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

بوتين... روسيا أولاً وليس مادورو

GMT 06:36 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

أزمات الإقليم الخمس

GMT 06:34 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

احتجاجات إيران... كلّ الطرق تؤدي إلى واشنطن

GMT 06:29 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

«جوي أووردز»... الجمهور أولاً وأخيراً

GMT 06:07 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

ما الذى منع الهجوم الأمريكى؟

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 18:07 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

إطلالات راقية تبرز أناقة الفنانات السعوديات في حفل Joy Awards
 لبنان اليوم - إطلالات راقية تبرز أناقة الفنانات السعوديات في حفل Joy Awards

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:53 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 06:04 2021 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

للمحجبات طرق تنسيق الجيليه المفتوحة لضمان اطلالة أنحف

GMT 20:55 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

المغربي أمرابط الأكثر صناعة للاهداف في الدوري

GMT 15:48 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 12:55 2020 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

راتب عمر السومة "حجر عثرة" أمام انتقاله للأهلى المصري

GMT 17:40 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

طاقة متجددة في كل خطوة مع أحدث اصدارات أديداس الأيقونية

GMT 06:46 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

احصلي على روح جديدة لمنزلك وغيَّري شكل حمامك بـ5 حيل بسيطة

GMT 18:42 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد جمال يسجل أغنية "حق مش حقك" من ألبومه الجديد

GMT 13:29 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

نادين الراسي ترقص بعفوية في دبي وتكشف سر الـ Six pack
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon