عن الفيروس المستجدّ

 


للمرة الأولى، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ينشغل العالم بأسره بقضية واحدة لا غير. متتبع نشرات الأخبار التي تبثها قنوات التلفزة، يلحظ أن الأنباء والمستجدات التي لا يكون فيروس كورونا موضوعها الأساس صارت هزيلة، وقد لا تثير إهتمام أحد. لم نكن نتصوّر، أننا سنعيش حدثاً لم يمر مثيله في تاريخ البشرية سوى مرات معدودة، كنا قرأنا عنها في كتب التاريخ، فبانت لنا كقصص أقرب إلى الخيال.

صار علينا أن نتصوّر، الآن، كيف كان الطاعون يفتك بأوروبا القرون الوسطى، وتنهار الخليقة على الطرق من دون أن يقربها أحد، خوفاً من الإصابة بالعدوى، قبل أن يتم حرقها. أو يمكننا أن نتخيّل، أيضاً، كيف فتكت الإنفلونزا الإسبانية، العام 1918، بالجنود المساكين القابعين في الخنادق الرطبة، قبل انتقالها إلى ملايين البشر، في نهاية الحرب العالمية الأولى.

الوباء المميت، دفعنا للتفكّر في أمور الدنيا. موقف رؤساء الدول، وقوع بعض المسؤلين الكبار بين براثن المرض، ارتباك في القرارات، انهيارات إقتصادية وشيكة، وعودة إلى التاريخ لنبش قصص لم تكن لتخطر في بالنا في أوضاع عادية.استناداً إلى شغفه بنفسه، وثقته الزائدة بها، وإلى اعتباره أن أميركا لا يمكن أن تُقهر، لم يعترف ترامب، في البداية، بضرورة الوقاية التي تتطلّبها الحماية من الفيروس الذي قلب الدنيا، وغيّر المقاييس، وصار شغل الناس الشاغل. ترامب يرى الأمور من وجهة نظره الذاتية، ويسوق تحليلاته على أساسها، متجاهلاً نصائح مستشارين وأطباء وعارفين في الشأن الطبي. الحجر الصحي، الذي صار قانوناً مستحدثاً لم تألفه البشرية، سوف يؤدي إلى شلل في الدورة الإقتصادية، كما يدرك ترامب. هذا الأمر سيفضي إلى ازدياد أعداد العاطلين عن العمل. التعثر الإقتصادي وازدياد نسبة البطالة ستثير في وجهه نقمة لطالما أراد تجنّبها. هذه النقمة، في حال استفحالها، ستقلل حظوظه في ولاية رئيسية جديدة يطمح إليها، ويعد نفسه بها، بعدما اقترب موعد الإنتخابات. آخر استطلاعات الرأي تشير إلى أن جو بايدن، مرشح الحزب الديموقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية، يتغلّب على ترامب بثلاث نقاط، في حين كان الرئيس الحالي يعتبر أن النتيجة ستكون مضمونة لصالحه، وهي نسبة قد تزيد يوماً بعد يوم، تبعاً للحوادث والمستجدّات.

مسكين ترامب. لم يوالفه الحظ. كانت الأمور تسير كما كان يبغي، وكان طريقه إلى ولاية ثانية معبّداً بالأمل، إلى أن ظهر هذا الوباء الذي لم يتوقعه أحد من أبناء هذه الدنيا، وفي مقدمهم أقوى رجل في العالم، كما يعتبر قائد أميركا نفسه. أفلت زمام الأمور من يديه، في ما يتعلّق بالسيطرة على العدوى. وإذا كان تاريخ أميركا شهد كوارث محدودة إذا ما قيس حجمها بعدد الضحايا، فإن هذه الكوارث أصبحت ذات وقع أدنى بكثير مما يحدث الآن، مع الأخذ في الإعتبار أن الكوارث السابقة كانت ذات علاقة بحرب من هنا، وبهجوم إرهابي من هناك. الهجوم المباغت على بيرل هاربر الذي دفع أميركا إلى خوض الحرب العالمية الثانية، وأحداث 11 أيلول التي شكّلت صدمة للبلد البعيد عن بؤر الصراع، أوقعا، مجتمعَين، عدداً من الضحايا لا يُقاس بما أوقعه فيروس كورونا. أما الجنود الأميركيون الذين سقطوا خلال الحرب الكونية الثانية، وفي الصراعات التي أدلت أميركا بدلوها في وحولها، فتلك نتيجة منطقية لقرارات خوض حروب كان يعرف من اتخذها بالعواقب والنتائج.

تحوّلت أميركا، حالياً، إلى البؤرة الجديدة للوباء السارح على هواه. عيون الأميركيين مصوّبة نحو عدّاد الضحايا. ارتفاع هذا العدد سيُلام عليه رجل أكثر من سواه. ذاك مصير من يقود أمة، بعدما بذل جهوده كلّها من أجل الوصول إلى هذا المنصب. رجل كان يكابر، ولا ندري إن كان منسوب هذه المكابرة قد تبدّل لدى الرئيس الأميركي في الآونة الأخيرة.

في رحيل رافائيل سانزيو

في مثل هذه الأيام، وتحديداً في السادس من نيسان، قبل 500 سنة بالتمام والكمال، رحل الرسّام العبقري رافائيل سانزيو عن 37 عاماً. ما يثير الغرابة أنه كان ولد في اليوم نفسه من شهر نيسان من العام 1483. الفنّان ذو الملامح الأقرب إلى النعومة الأنثوية، منها إلى القساوة الرجولية، بحسب ما تطلعنا عليه رسومه الذاتية، المتماهية مع سلوك اجتماعي أقرب إلى الليونة، على نقيض مجايله اللدود ميكال أنجلو، صاحب المزاج المضطرب، كان نفّذ تحفته الجدارية المسمّاة "مدرسة أثينا"، إضافة إلى بورتريهات دخلت معجم الفن، لكنه ترك أسراراً تتعلّق بموته يختلف عليها المؤرخون.

وإذا كان الحديث قد قادنا إلى الحديث عن رافائيل، فإضافة إلى الفترة الزمنية المتطابقة مع الوقت الحالي، يبدو أن الرسام كان أودى به وباء، يقول البعض إنه الطاعون الأسود الذي ضرب أوروبا، في حين يؤكد بعض آخر أن السبب يعود إلى الملاريا. لكن بعضاً ثالثا أطلق شائعات مفادها أن موت رافائيل يعود إلى إسرافه في الأفعال الغرامية المتوقّدة التي سلّم الروح خلال ممارستها مع شريكة حياته مارغريتا لوتي. وإذا كان الرسام رحل يوم عيد ميلاده، فإن هذا اليوم تطابق أيضاً مع يوم الجمعة العظيمة، خلال فترة أعياد الفصح التي نعيشها هذه الأيام. رأى معاصروه في الأمر ضرباً من الفأل السماوي، وخصوصاً أن شقوقاً كانت ظهرت في أحد أروقة الفاتيكان، مما استدعى إنتقال البابا ليون العاشر إلى إحدى شقق الكرادلة، في انتظار إصلاح الأضرار.

أدى موت رافائيل إلى حالة من الحزن في روما، وحتى في إيطاليا كلّها، التي عاشت، ولا تزال، ولو بقدر أقل قليلاً، في أيامنا هذه، بعد 500 عام على رحيل الرسام، زمناً عصيباً جرّاء وقوعها المحبط في فخ الفيروس المستجد. كان حزن البابا ليون العاشر، حينذاك، طاغياً، وأمر بإقامة مراسم وداع تليق بالرسام، وتم دفنه في البانتيون بروما. كتب الشاعر بيترو بيمبو عبارة على شاهدة قبر الراحل مفادها: "إن رافائيل اعتقد أنه يستطيع التغلّب على الطبيعة، وهذا اليوم إذ رحل تخشى الطبيعة أن ترحل بدورها".

كان رافائيل التقى شريكة حياته عام 1512، وهي إبنة خبّاز من مدينة سيينا. وقع الإثنان في الغرام من دون تباطؤ، وصارت مارغريتا موديلاً للرسام في إثنتين من أشهر لوحاته. ثمة ما يعزز الشائعة بأن مارغريتا كانت إلى جانبه لحظة موته. هل كان موتاً مفاجئاً بين يديها؟ ربما، وفي كل الأحوال، فإن المرأة الشابة لم تجد العزاء بعد اختفاء حبيبها، فدخلت بصفة راهبة إلى الدير، وماتت حزينة عام 1522.

قد يهمك ايضا :

عايدة رياض تُعلن أن المشاهدين يُحبون أدوار الشر