انهيار الليرة اللبنانية امام الدولار

دخل لبنان مرحلة الانهيار من الباب الواسع مع ارتفاع سعر صرف الدولار من ‏دون سقف أو ضوابط، بعدما تخطى أمس الـ15 ألف ليرة للدولار، ما أفقد العملة ‏الوطنية 90 في المائة من قيمتها، وانعكس هذا الأمر على مختلف القطاعات، لا ‏سيما منها المواد الغذائية والحياتية اليومية للمواطن اللبناني التي بدأت تفقد من ‏الأسواق، وهو ما سينعكس في الأيام المقبلة على مختلف السلع.

الصرخة عامة لا تقتصر على قطاع دون غيره، والإرباك الذي تشهده الأسواق ‏اللبنانية في الأيام الأخيرة خير دليل على ذلك، مع توجه أصحاب المحلات ‏والمؤسسات إلى إقفال أبوابها أو امتناع التجار عن تسليم البضائع بانتظار ما ‏سيؤول إليه الوضع، فيما اعتمد بعض آخر سياسة التسعير العشوائي، ما رفع ‏أسعار ما توفر من المواد أضعافاً.

ويأتي كل ذلك فيما لا تزال السلطة في لبنان تعتمد سياسية "الترقيع" أو "البحث ‏عن حلول غير واقعية، وفي غير مكانها، كملاحقة الصرافين والمنصات ‏الإلكترونية غير الشرعية"، كما يقول خبراء اقتصاديون، فيما هناك إجماع على ‏أن المشكلة تتطلب إجراءات جذرية من مصرف لبنان والسلطات المعنية، ‏إضافة إلى قرار سياسي حاسم بتشكيل حكومة لتنفيذ الإصلاحات، ما من شأنه أن ‏يفتح الباب (ولو جزئياً) أمام وصول المساعدات إلى لبنان، في وقت انخفض فيه ‏الحد الأدنى للأجور إلى 45 دولاراً، بعدما كان 450 دولاراً، وفق سعر صرف ‏الـ1500 ليرة.

ويختصر الخبير الاقتصادي باتريك مارديني الواقع اللبناني بالقول: "نحن في ‏بداية الانهيار، والآتي أسوأ إذا لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة". ويوضح ‏لـ"الشرق الأوسط": "ما كنا نحذر منه منذ سنة ونصف السنة حصل اليوم، ‏وبات الدولار دون سقف، بحيث قد يصل سعر صرفه إلى مستوى غير ‏معروف، بينما الحلّ الأهم اليوم يجب أن يكون عبر وقف طباعة الليرة اللبنانية ‏غير المغطاة في المقابل بقيمتها من العملة الأجنبية، في وقت لا تزال فيه نفقات ‏الدولة أعلى بكثير من إيراداتها، بل هي بوتيرة متزايدة بشكل دائم، ما يؤدي إلى ‏سحب الدولارات من السوق".

ومع السقف المفتوح لارتفاع سعر صرف الدولار الذي يتغير بين لحظة ‏وأخرى، يؤكد مارديني أن من الطبيعي أن ينعكس هذا الأمر على حياة ‏المواطنين، وقدرتهم على تأمين لقمة عيشهم، أو حتى فقدان المواد الغذائية من ‏الأسواق، مع عدم قدرة التجار على تجديد مخزونهم. ومع اعتقاده أنه لن يتخذ أي ‏قرار لوقف طباعة الليرة، يرى أن الحل بالنسبة للتجار، لضمان استمرار تأمين ‏هذا المخزون وعدم إقفال المحال، هو التسعير بالدولار، وبيع المواد وفق سعر ‏الصرف، لكنه سيكون أيضاً كارثياً على المواطن الذي وإن دفع بالليرة فإنه ‏سيدفع أضعاف المبالغ، إذا توفرت لديه.‎

وأمام هذه الفوضى، حذرت النقابات المعنية بالخبز والمواد الغذائية، أمس، من ‏الأسوأ الذي قد يصل إلى حد التوقف عن العمل. وأعلن نائب رئيس اتحاد نقابات ‏الأفران والمخابز المستقيل، علي إبراهيم، في بيان، أنه "إذا استمررنا على هذه ‏الوتيرة، لا بد أن يصل القطاع إلى التوقف القسري إلى حين استقرار سعر ‏صرف الدولار"، آملاً في أن "تتم معالجة الأمر، ليس برفع الأسعار بل ‏باستقرارها".

وبدوره، قال نقيب أصحاب السوبرماركت، نبيل فهد: "وصلنا إلى مرحلة انهيار ‏كامل في موضوع المواد الغذائية". وأكد في حديث لـ"الوكالة الوطنية للإعلام" ‏حول إقفال كثير من السوبرماركت أبوابها جراء ارتفاع سعر صرف الدولار: ‏‏"لا رغبة لدينا في الإقفال، ولا نريد حرمان المواطنين من المواد الغذائية، إنما ‏المشكلة تكمن في أن الموردين لا يسلموننا البضائع، مما يتسبب بنقص كبير ‏فيها، وهذا ناتج عن ارتفاع سعر صرف الدولار بنسبة 30 في المائة، ما يرفع ‏بدوره الأسعار بالنسبة نفسها".

وأوضح: "البضائع المستوردة مسعرة بالدولار، والتاجر يدفع بالدولار لا ‏بالليرة، ومسؤولية لجم سعر الصرف واستقراره لا تقع على عاتق أصحاب ‏المؤسسات التجارية والسوبرماركت والمستوردين، بل على عاتق سياسة الدولة ‏النقدية، وقدرتها في التأثير على السوق، لذلك نشهد ارتفاعاً في سعر صرف ‏الدولار".

وقال إن "هناك مجموعات تسحب كل المواد المدعومة من السوبرماركت، ‏خصوصاً الحليب والزيت والسكر، بحيث تصبح الكميات المعروضة منها أقل ‏من الطلب".

ومع الاتهامات التي توجه لأصحاب السوبرماركت بتخزين المواد المدعومة، ‏رفض فهد هذا الأمر، واقترح "توزيع المواد المدعومة عبر وزارة الشؤون، ‏تفادياً للمشكلات التي تحصل، وحتى لا يوضع أصحاب السوبرماركت بمواجهة ‏المواطن"، وانتقد "سياسة الدعم الفاشلة"، مطالباً الحكومة بأن "تنتقل من ‏سياسة الدعم إلى إعطاء بطاقة تموينية للمحتاجين لإنهاء هذه الفوضى، ووقف ‏تهريب المواد المدعومة"، مبدياً تخوفه من "حصول نقص في المواد ‏الاستهلاكية، في حال شح الدولار، وعدم تمكن المستوردين من تأمينه لإتمام ‏عملية الاستيراد".

ومن جهته، قال نقيب مستوردي المواد الغذائية، هاني بحصلي، في حديث ‏تلفزيوني: "لا نستوعب ما يحصل، وعلى أي سعر صرف يجب أن نسلم المواد، ‏وعدم التسليم هو إجراء تتخذه الأسواق العالمية حين تحدث فوضى. أصبحنا في ‏شريعة غاب، وما يحصل لا يريبنا فقط، إنما يحزننا ويبكينا".

وهذه الصرخة انسحبت أيضاً على قطاع الاستشفاء في لبنان، حيث حذّر نقيب ‏المستشفيات، سليمان هارون، أمس، من إقفال معظم المستشفيات، إذا بقي ‏الوضع على ما هو عليه، بحيث يصبح ما تبقى منها حكراً على الأغنياء، قائلاً: ‏‏"القطاع الاستشفائي انهار، مثله مثل باقي القطاعات، أما الفرق فهو أن انهياره ‏يؤدي إلى وفاة الناس في بيوتها".

وأعلن في مؤتمر صحافي: "أرسلنا كتباً إلى جميع الجهات الضامنة الرسمية، ‏نطالب فيها بتعرفة جديدة مبنية على دولار بقيمة 3900 ليرة؛ أي سعر المنصة ‏الرسمي في المصارف، كحد أدنى، على الرغم من أن الدراسة تظهر أنه يجب ‏احتسابها على أساس 4635 ليرة أو 6086 ليرة، وفقاً لسعر صرف الدولار في ‏السوق الموازية، إلا أن الأجوبة التي تلقيناها كانت أن هذا غير وارد لأن ‏أوضاعها المالية لا تسمح بذلك"، مضيفاً: "الدولة عاجزة عن تأمين تكلفة ‏استشفاء المواطنين، والمستشفيات عاجزة عن متابعة تحمل الخسائر، إذا ‏استمرت على تعرفات مبنية على أساس دولار يساوي 1500 ليرة‎ ".

وقد يهمك أيضا

تفاصيل إصرار بعبدا على نفي ما يُنسب للرئيس اللبناني

لقاء الحريري ـ لافروف يضيّق على ميشال عون هامش المناورة