المفاوضات النووية الإيرانية

على رغم أن الجولة الحالية من المفاوضات النووية رتبت بغية إدراك اتفاق نووي شامل ونهائي بين إيران والسداسية الدولية يضع بدوره نهاية لمفاوضات سرية وعلنية، قارب عمرها عقدين من الزمن، لم تحلْ الآمال المعقودة على المرونة المتوقعة من الرئيس الإيراني حسن روحاني دون بروز معوقات من شأنها أن تعرقل التوصل إلى اتفاق نووي نهائي وتختزل مخرجات المفاوضات في اتفاق نووي مرحلي ربما يكون أشمل بنوداً وأطول مدى من ذلك الذي أبرم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013.

ويتجلى أبرز تلك المعوقات في:

- تشبث غالبية الإيرانيين بالحلم النووي؛ فبينما تعهد روحاني بالتمسك بثوابت سياسة بلاده النووية، وبألاّ تتوقف أجهزة الطرد المركزي عن العمل، أكد علي أكبر ولايتي (مستشار مرشد الثورة للشؤون الدولية) أن إيران ستتابع العمل من أجل امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، ولن تتراجع عن حقوقها في هذا الصدد، لأن المرشد لن يسمح بأي تنازلات خلال المفاوضات النووية، امتثالاً لإرادة الشعب وحفاظاً على استقلال البلاد.

- تشدد المرشد؛ فعلى رغم الدعم الحذر الذي يبديه خامنئي للمحادثات النووية مع الغرب توخياً لتقليص عزلة طهران وثني الغرب عن الضغط عليها في شأن قضايا أخرى كسورية والتدخل في عدد من الدول العربية، فإنه لا يرغب في تمكين روحاني من إبداء مزيد من المرونة، لا سيما أن خامنئي لا يبدو مستعداً لتقديم تنازلات لإنجاح المفاوضات استناداً إلى عدم قناعته بجدواها، إذ لم يتردد في إبداء خيبة أمله في شأن «خطة العمل المشتركة» الموقتة الموقعة في جنيف خلال تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ولا حتى تشاؤمه الكبير في شأن الوصول إلى اتفاق نهائي.

ولعل خامنئي لا يثق بالعائدات المنتظرة من التنازل عن مواصلة تطوير البرنامج النووي لبلاده، موقناً بأن تنازلاً كهذا قد يثير التيارات المتشددة في الداخل ويهدد أركان نظام ولاية الفقيه، في الوقت الذي لن يضمن إنهاء العقوبات كلياً وسريعاً.

وتأسيساً على ذلك، يعتقد خامنئي أن رفع العقوبات عن بلاده لن يتحقق إلا من خلال دعم قدراتها النووية، بما يتيح زيادة نفوذها بوصفها قوة إقليمية وعالمية، وليس من خلال التنازلات التي تهوي بإيران إلى غياهب التمزق والفوضى على غرار ما جرى مع الاتحاد السوفياتي وليبيا معمر القذافي.

وربما لا يكترث خامنئي كثيراً باقتراح روحاني إجراء استفتاء، حيث تقتضي خصوصية النظام السياسي الإيراني أن يعود القول الفصل في أمر المفاوضات النووية إلى المرشد، بغض النظر عن نتيجة استفتاءات شعبية ستظل نتائجها بلا معنى طالما استعصى الأخذ بها إذا خالفت إرادة المرشد، ولعل هذا يفسر تجميد المادة المتعلقة بالاستفتاء في الدستور منذ وضعه.

- تربص المتشددين: لا تزال الديناميات الداخلية في إيران تشكل عقبة رئيسية أمام إنجاز اتفاق شامل وطويل الأمد في شأن البرنامج النووي الإيراني. حيث يرفض الأصوليون - المهيمنون على مفاصل السلطة كالبرلمان والإعلام وقوات الجيش والشرطة وغيرها - أي توجه من روحاني لإبداء مرونة خلال المفاوضات النووية، متذرعين بأن هذه التنازلات ستنال من الثورة وتقوّض ركائز نظام ولاية الفقيه.

وما برح التيار المتشدد يسعى بمباركة خامنئي لمحاصرة روحاني داخلياً بغية تكبيل يديه خلال المفاوضات النووية، متيقناً من أن ولع روحاني بالاحتفاظ بشرعيته الداخلية ربما يفوق هرولته لبلوغ نجاح قد لا يتسنى تحقيقه.

- تعثر الجولة الحالية: لم تكن بدايات الجولة الحالية من المفاوضات النووية مبشرة بأي حال،إذ استهلها الطرفان بتأكيد تشددهما وصلابة مواقفهما، فبينما يتمسك الإيرانيون بحقهم في تخصيب اليورانيوم وبالتعليق الكلي والفوري للعقوبات عقب إبرام اتفاق، يرفض الكونغرس واللوبي اليهودي وضعاً كهذا. وعلى غير استحياء، هرع كل طرف نحو إطلاق التهديدات للطرف الآخر.

وليس بخافٍ مدى حساسية موقف باراك أوباما في الكونغرس الجديد بعدما خسر حزبه الأكثرية في المجلسين وبفارق كبير في مجلس النواب (٢٤٧ جمهورياً/ ١٨٨ ديموقراطياً)، ما يعني ضمان تمرير مشروع العقوبات هناك إذا وافق عليه مجلس الشيوخ (٥٤ جمهورياً و٤٦ ديموقراطياً فيما تؤيد المشروع مجموعات ضغط بعضها مقرب من إسرائيل، كلجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية (آيباك) وربما لا يواجه مانينديز وكيرك صعوبات جمة في توفير الستين صوتاً المطلوبة لتمرير المشروع في مجلس الشيوخ مع اصطفاف ديموقراطيين إلى جانب الجمهوريين ضد البيت الأبيض، في ما يخص الأزمة النووية الإيرانية على وجه التحديد، الأمر الذي قد يجبر أوباما على استخدام حق النقض (الفيتو) توخياً لإبطال المشـروع والحيـلولة دون فــرض عقوبات جديدة على إيران.

ولما كان استخدام الفيتو ضد مشروع قرار وافق عليه الكونغرس أمراً غير محبذ لأي رئيس، فقد التمس أوباما سبلاً شتى لتفادي هذا الحرج، حيث طلب من الكونغرس إمهاله أشهراً عدة لإدراك اتفاق شامل مع إيران.

وعلى الجانب الإيراني، حذّر عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى إسماعيل كوثري، من التمادي في زيادة المطالب الغربية، مهدداً بمواصلة البرنامج النووي لبلاده كما فعلت طهران في السابق إذا ما لم تسفر المفاوضات عن نتائج إيجابية، لافتاً إلى إمكان لجوء مجلس الشورى إلى إجبار الحكومة على تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة إذا أصرّت مجموعة الدول الست على طرح مزيد من المطالب غير المنطقية.

وهكذا، يبدو الرهان على إدراك اتفاق نهائي يكفل إنهاء أو تجميد البرنامج النووي الإيراني كلية نظيرَ التعليق الكلي للعقوبات أمراً مستبعداً، خصوصاً مع تمسك كل طرف بمواقفه. فإيران تتشبث بمطلب إنهاء كل صور العقوبات الدولية والأحادية المفروضة عليها في شكل فوري وشامل، بينما يصرّ المجتمع الدولي بدوره على تجميد طهران أولاً كل نشاطاتها النووية تماماً، ثم اتخاذ إجراءات بناء ثقة تجاه الغرب قد تمتد عشرين عاماً، بينما يتم رفع العقوبات في شكل كامل ونهائي.

وربما يجنح المفاوض الإيراني - خلال الجولة الحالية من المفاوضات - إلى المطالبة بتعليق أشكال العقوبات كافة، مقابل إبداء مزيد من التعاون في ما يخص إجراءات الرقابة والتفتيش والتحقق من قبل الخبراء الدوليين، فضلاً عن تخفيض وتيرة النشاطات النووية الإيرانية فقط وليس تجميدها كلية، وهو العرض الذي قد يقابله المجتمع الدولي - إذا ما ارتضاه - بتخفيض جزئي ومتدرج بالوتيرة للعقوبات، أملاً ببلوغ اتفاق نهائي ولو بعد حين.

ففي إيحاء من روحاني بإمكان الموافقة خلال الجولة الثانية عشرة من المفاوضات على تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي وتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم مقابل إنهاء العقوبات على بلاده، شدّد على أن مبادئ الإيرانيين ليست منصبة في أجهزة الطرد المركزي المُستخدمة لتخصيب اليورانيوم، وإنما تتعلّق بقلوبهم وإرادتهم. وذهب أبعد من ذلك حينما أكد أن إبداء مزيد من الشفافية وتخفيض مستوى التخصيب بنسبة معيّنة ليست إيران في حاجة إليها لا يعني التفريط في المبادئ. وهي الإشارات التي يُفهم منها ميل روحاني إلى التوصل لاتفاق مرحلي جديد مع الدول الست على غرار ذلك الذي تمّ في تشرين الثاني 2013، والذي قضي بتعليق فرض عقوبات جديدة على طهران، فضلاً عن الإفراج عن بعض الأرصدة الإيرانية المجمّدة في الخارج، مقابل تخفيض طهران مستوى تخصيب اليورانيوم من نسبة 20 في المئة إلى نسبة 5 في المئة فقط. وبناء عليه، ستبقى فرص التوصل إلى اتفاق مرحلي جديد أكبر بكثير من احتمالات إدراك اتفاق نهائي. ذلك أن هامش حرية الحركة أو التفويض الممنوح للمفاوض الإيراني لن يسمح له بالذهاب أبعد من ذلك، كما أن أطرافاً إقليمية مؤثرة لن تسمح للمفاوضين الغربيين بالتجاوب مع المطالب الإيرانية.

ولعل الولي الفقيه يراهن على أن يدفع الوضع الإقليمي المعقّد والنظام الدولي المرتبك بالمفاوض الغربي لتمرير اتفاق نووي مرحلي جديد تراه الجماعة الدولية - رغم تواضعه - إنجازاً أفضل من فشل المفاوضات ووضع الغرب في موقف صعب، في ضوء الافتقار إلى أية خيارات بديلة ناجزة يمكن اللجوء إليها في الوقت الحالي لحمل طهران على إبداء مزيد من المرونة والانصياع للإرادة الدولية. وهنا يطلّ التساؤل حول إمكان قبول الأجنحة المتشدّدة داخل واشنطن وخارجها بنتيجة من هذا النوع، فضلاً عما يمكن أن يتمخّضعنه ذلك المآل لجولة المفاوضات الأخيرة من ردود أفعال على الصعيدين الإقليمي والدولي.