السلع الإستهلاكية

إنفلات اسعار السلع الإستهلاكية وإرتفاعها في شكل جنوني وغير مضبوط، بالتوازي مع وصول سعر الدولار إلى مستويات كارثية قياسًا إلى القدرة الشرائية لليرة اللبنانية ستدفع حتمًا إلى قيام ثورة حقيقية في البلاد، وقد بدأت ملامحها تلوح في الأفق، وهي آخذة في التصعيد يومًا بعد اليوم، بحيث سيشارك فيها هذه المرّة كل فقير، وقد أصبحوا الأكثرية، وكل عامل أقُفلت في وجهه سبل تأمين لقمة العيش بكرامة وعنفوان، على أن تستهدف هذه الثورة هذه المرّة جميع من كان وراء وصول حال البلاد إلى هذا الدرك الذي وصلت إليه، من دون إستثناء.

وشعار "كلن يعني كلن" سيشمل هذه المرّة كل الطبقة الحاكمة، بمن فيهم أولئك الذين يحاولون دائمًا رمي الكرة إلى ملاعب الآخرين، وتحميلهم مسؤولية التدهور الإقتصادي والنقدي، إذ لم يعد جائزًا "كل ما دقّ الكوز بالجرّة" التنصل من هذه المسؤولية، التي نقرّ بأن الحكومة الحالية برئيسها ووزرائها، وهو طارئون على الحياة السياسية، غير مسؤولين عن كل الأزمات التي تعاني منها البلاد، ولكنهم بمجرد أن قبلوا بتولي المسؤولية قد اصبحوا شركاء في جزء، ولو بسيط، بتحمّل النتائج، وهم كانوا يعرفون قبل القبول بهذه المهمة الصعبة أن مشاركتهم في الحكم في ظل هذه الظروف لن تكون مجرد نزهة، وبالتالي لم يعد مقبولًا الإكتفاء بالبكاء والنواح، بل يجب عليهم، وبالأخص على رئيس السلطة التنفيذية، وهو الذي يتمتع بصلاحيات واسعة، الإقدام وإتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف التدهور والإنزلاق نحو الهاوية، وألا يقبلوا بأن يكونوا وقودًا لحروب الآخرين.

وما ينطبق على رئيس الحكومة والوزراء ينسحب أيضًا على "التيار الوطني الحر"، الذي كان شريكًا أساسيًا في الحكم فعليًا منذ العام 2009، وبالتالي لم يعد من الجائز تحميل الآخرين ما لا يتحمّله جميع وزراء التيار، الذين أستاثروا بحقائب وازنة في كل الحكومات السابقة، وكان لهم في حكومة واحدة عشرة وزراء، وبالأخصّ رئيس التيار الوزير السابق جبران باسيل، الذي هو بالإسم فقط "وزير سابق"، ولكنه بالفعل هو"الكل بالكل"، وهو الذي إعترف بالأمس وبـ"عظمة لسانه" بأنه مهندس السياسات التي يتبّعها الرئيس دياب، وهذا ما ظهر جليًا في مؤتمره بالأمس، الذي إنقسمت الاراء حوله، بين مؤيد وداعم، وبين معارض ومتهجم.

وكما في كل المسائل المثيرة للجدل فإن لكل طرف منطقه وغاياته. فالمؤيدون لكلام باسيل يعتبرون أن السياسات الكيدية التي مورست على مدى سنوات حالت دون تنفيذ المشاريع والإقتراحات التي تقدّم بها "التيار"، وهذا ما أوصل البلاد إلى حالة ميؤوس منها.

أما المعترضون فيرون في هذا الكلام ذرًّا للرماد في العيون، وهو بالنسبة إليهم مرفوض في الشكل والمضمون، بإعتبار أن الأفكار الواردة في مؤتمر باسيل لا يختلف عليها إثنان، وبالأخصّ إذا كانت مجردّة من الغايات الشخصية، إذ لا أحد فوق القانون، وبالتالي لا أحد إلاّ ويريد مكافحة الفساد اينما وجد، شرط أن يكون شاملًا وألا يقتصر على ناحية دون اخرى، تمامًا كما حصل بالنسبة إلى حاكمية مصرف لبنان، إذ أن المحاسبة يجب أن تطال كل المرافق الحيوية، التي يشتم فيها رائحة فساد، وبالأخص في ما يتعلق بملف الكهرباء، الذي إستنزف المالية العامة للدولة على مدى سنوات.

وبغض النظر عن مضمون المؤتمرالصحافي لباسيل، الذي يبقى قابلًا للأخذ والردّ، من ضمن سياق سياسي محدّد وفقًا لتوجهات كل طرف، فإن ما ورد فيه يكشف أن الرجل تقصدّ هذا التوقيت، وذلك من أجل "القوطبة" على ما يمكن أن تأخذه الثورة في دربها، وهو الذي إستعمل كلمة "أنا" و"نحن" أكثر من مرّة للدلالة إلى أنه لو أخذ بما تم طرحه لكانت حال البلاد افضل مما هي عليه اليوم، وهو أراد أن يقول، ولو بطريقة غير مباشرة: "أنا المنقذ"!

قد يهمك ايضا:تراجع مؤشر أسعار السلع الإستهلاكية في لبنان 0.03%