بيروت ـ كمال الأخوي
لم تكتمل فرحته بعودة ابنه من أوروبا إلى سورية بعد 15 عامًا من الغياب، فمنذ أبلغه بنيته العودة وهو يسأل عبر وسطاء عما إذا كان مطلوبًا أو ثمة إشارة موضوعة على اسمه، وبعد تأكده من خلو سجله من أي إشارة أبلغ الحاج أبو محمد ابنه كي يحجز بطاقة سفر إلى بيروت، على أن يكون في انتظاره يوم وصوله بداية مع التاكسي في مطار رفيق الحريري ليحمله إلى دمشق. كل شيء ترتب بسرعة ودقة، لكن ذلك كان عشية 17 الجاري إذ استيقظ صباح ذلك اليوم على مفاجأة من العيار الثقيل سمّرته أمام شاشة التلفزيون، فالمظاهرات تعم لبنان وكل الطرق داخله مقطوعة، ومكاتب التاكسي تحذر من السفر.
حالة الحاج أبو محمد هي حال غالبية السوريين الذين مثّل لبنان لهم خلال سنوات الحرب القاسية نافذة في مواجهة الحصار وتداعيات العقوبات الدولية والحظر على السفر والتحويلات المصرفية، مكنتهم من السفر والتحايل على العقوبات الاقتصادية بإيداع أموالهم في مصارفه واستقبال حوالاتهم عبره، وأيضا والأهم، التغلب على الأزمات المعيشية المتتالية، لا سيما سكان العاصمة دمشق وريفها والمنطقة الوسطى، القريبة من البنان، وجهة لجوء أولى للهاربين من القصف الذي طال مناطقهم. كان مصدرًا لكل المواد المعيشية المفقودة، بدءًا من الأدوية مرورًا بالأغذية وليس انتهاء بالغاز المنزلي وبنزين السيارات. فكلما تعرض السوريون لأزمة كانوا يلجأون إلى لبنان، البلد الوحيد الذي بقيت حدوده مفتوحة مع سورية، وإن اعترضت الدخول إليه إجراءات تتعقد وتتبسط حسب الوضع السياسي والاقتصادي في البلدين.
المفارقة أن أول رد فعل في دمشق على انتفاض لبنان جاء من رئيس غرفة تجارة ريف دمشق وسيم القطان الذي يعد أحد أمراء الحرب في سورية، حين وجه نداء للسوريين باسترداد أموالهم من المصارف اللبنانية، محذرًا من انهيار القطاع المصرفي في لبنان، في حين أن غالبية السوريين الذين أنهكتهم الحرب تخوفوا من المجهول الذي قد يذهب إليه الوضع في لبنان ما لم تستجيب الحكومة لمطالب الشارع.
فائزة دمشقية حصلت على فيزة فرنسية بعد 4 محاولات فاشلة، وسيتحقق حلمها بالالتحاق ببناتها اللاجئات في فرنسا منذ عام 2013، لكنها متخوفة من السفر عبر لبنان، وتقول: “لا أعرف ماذا ينتظرني في بيروت، وهل سأتمكن من الوصول إلى السفارة أم لا؟ ليلًا نهارًا أصلي لله ليحمي لبنان إذا أصابه شرّ فلن تسلم الشام”.
مكاتب سارات الأجرة في دمشق تتابع على مدار الساعة أوضاع الطرق في لبنان، وترسل إلى زبائنها تقارير إخبارية عن حال مطار رفيق الحريري والطرق داخل لبنان حتى النقاط الحدودية مع سورية. وتنشر عبر حسابات على “فيسبوك” و”تليغرام” أخبار الحركة على المعابر الحدودية، ومطار بيروت، مع نشرة لحالة الطرق، وكل التعاميم الخاصة بالمسافرين على طريق بيروت - دمشق.
يشار إلى أن أجور التاكسي من دمشق إلى مطار بيروت زادت بنسبة 80 في المائة بسبب اضطرار السائقين إلى سلوك طرق فرعية طويلة، وفق طوني السائق على طريق دمشق بيروت الذي قال أن “أجرة التاكسي إلى بيروت مائة دولار، وبعد اضطراب حال الطرق قد تصل إلى مائتي دولار، إضافة لتعرض السيارات السورية لمخاطر أخرى، لذا توقفت عن السفر ليلًا، وأحيانًا أنسق مع سائق سيارة لبنانية يتولى أخذ الركاب السوريين من نقطة المصنع أو نقطة أخرى ليوصلهم إلى وجهتهم”. يضيف طوني: “لا أقوم بذلك إلا مع زبائني الدائمين”.
صعوبة الطرق البرية استفادت منه شركات الطيران السورية التي رفعت عدد رحلاتها من دمشق إلى بيروت والعكس بتسعيرة مقاربة لسيارات الأجرة في هذه الظروف.
قد يهمك ايضا
الحريري يبدي استعداده للاستقالة من رئاسة الحكومة اللبنانية ولكن بشر